الزمان في مفهوم المشتقّ .
وبعد الفراغ عن أنّ المشتقّ يدلّ على المتلبّس من دون دلالة له على الزمان يقع كلام آخر في أنّه : هل المشتقّ موضوع للمتلبّس بلا أيّ قيد للتلبّس ، أو موضوع للذات المتلبّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للنطق ؟ وهذا لا يعني أخذ زمان النطق في مفهوم المشتقّ ، بل أخذ نفس النطق الذي هو زمانيّ ، أي : أنّ التلبّس بالمبدأ يقيّد بالمقارنة مع النطق ، فالذات المتلبّسة بالعلم مثلًا تلبّساً مقارناً للنطق مدلول لكلمة « عالم » أو موضوع للذات المتلبّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للحكم والجري ؛ إذ قد يختلف الحكم مع النطق ، فحينما أقول : « زيد قائم بالأمس » يكون نطقي اليوم وحكمي بلحاظ الأمس .
وهذه الاحتمالات الثلاثة يظهر بينها فارق في أسلوب الاستظهار ، فمثلًا حينما يقال : « زيد عالم » و « زيد حيّ يرزق » يفهم منه : أنّه عالم الآن ، أي : في زمان النطق . فإن قلنا بالاحتمال الثاني إذن فكلمة « عالم » تدلّ على ذلك بالظهور الوضعيّ . وإن قلنا بالاحتمال الثالث فكلمة « عالم » إنّما تدلّ بالظهور الوضعيّ على كونه عالماً حين الحكم والجري ، ولكن يفهم بالإطلاق وانصراف الكلام أنّ زمان الحكم والجري هو زمان النطق ، فعن هذا الطريق يصبح الكلام ظاهراً في كونه عالماً في زمان النطق . وإن قلنا بالاحتمال الأوّل ، فكلمة « عالم » لا تدلّ إلّاعلى أصل التلبّس ، وظهور الجملة في الهوهويّة والاتّحاد بين الموضوع والمحمول يدلّ على أنّ زيداً هو عين العالم ( والعالم هو الذات التي لها التلبّس ) ، فهذا لا يصدق إلّا إذا كان في ظرف الجري والحكم متلبّساً ، فيكون إثبات التلبّس في زمان الجري بظهور القضيّة ، لا ظهور المشتقّ ، ثُمّ نثبت بالإطلاق والانصراف أنّ زمان الجري هو زمان النطق ، فبالتالي يصبح الكلام ظاهراً في كونه عالماً في زمان النطق .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 424
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٢٤