هامش
- منتفياً ، ويكون استصحاب النجاسة أيضاً ساقطاً بتبدّل الموضوع ، فتصل النوبة إلى الأصول المؤمّنة .
وقد حاول استاذنا الشهيد رحمه الله في بحثه في الاستحالة البرهنة على تبدّل الجسم ولو عرفاً ، وذلك بما يمكن تجزئته إلى عدّة مقدّمات :
الأولى : لا إشكال في أنّ مثل الخشبيّة أو الفحميّة تعتبر في الإلهام العرفيّ اموراً جوهريّة لا عرضيّة ، سواء صحّ ذلك فلسفيّاً ، أو لا .
والثانية : لا إشكال في أنّ الصورة الجسميّة تعتبر في الإلهام العرفيّ أمراً جوهريّاً لا عرضيّاً ، سواء صحّ ذلك فلسفيّاً ، أو لا .
والثالثة : لا إشكال في أنّ كلّ فرد من الخشب أو الفحم أو نحو ذلك في نظر فرد واحد من الجوهر ، وحقيقة فاردة ، وليس جوهرين عرضيّين مستقلّين .
وإذن ، فبعد فرض جوهريّة كلٍّ من الصورة الجسميّة من ناحية ، والصورة النوعيّة التي هي من قبيل : الخشبيّة أو الفحميّة من ناحية أخرى - ولو في نظر العرف - لابدّ من افتراض : أنّ كلّ فرد من تلك الصورة النوعيّة مقوّم للفرد الذي في ضمنه من الصورة الجسميّة لدى نفس من يرى أنّ هذا الفرد من الخشب أو الجسم الفلانيّ جوهر واحد ، لا جوهران عَرْضيّان ومحصِّل له ، وإلّا لكانا جوهرين عرضيّين مستقلّين .
والنتيجة : أنّه إذا تبدّلت الصورة النوعيّة في نظر من يحكم بتبدّلها ولو كان هو العرف ، فقد تبدّل فرد الجسم في ذاك النظر .
وعليه فيحكم بطهارة المتحوّل إليه ولو بمعنى الأخذ بالأصول المؤمّنة ، بل يمكن استنتاج طهارة المتنجّس لو رجع مرّة أخرى بعد الاستحالة ، فالماء المتنجّس إذا تحوّل بخاراً ثُمّ رجع ماءً بالتعرّق بعد التبخّر ، كان هذا الماء طاهراً ؛ لأنّ هذا جسم جديد غير ما حكم عليه بالنجاسة ؛ وذلك لأنّه حينما تحوّل بخاراً فقد تبدّل الجسم إلى جسم آخر بالبرهان الذي نقلناه عن استاذنا الشهيد رحمه الله ، فحينما يرجع مرّة أخرى ماءً سيكون هذا فرداً -
جديداً من الماء لم يلاقِ النجاسة ؛ لأنّه كما أنّ الانفصال الفلسفيّ يساوق التعدّد الفلسفيّ ، والمعدوم فلسفيّاً يستحيل عوده فلسفيّاً ، كذلك الانفصال العرفيّ يساوق التعدّد العرفيّ ، والمعدوم عرفاً لا يقبل العود في نظر العرف .
وقد يُقابل هذا البرهان ببيان ينتج خلاف نتيجته ، وهو : أنّه لو صحّ أنّ جسم الخشب قد تبدّل لدى العرف بتحوّله إلى الفحم بجسم آخر ، لَما كان العرف يعبّر عن هذه العمليّة بقوله : « تحوّل الخشب فحماً » ، بل كان يعبّر بتعبير : « أنّ الخشب قد انعدم ووجد الفحم » ، في حين أنّه لا شكّ في أنّ هذه العمليّة تعتبر في نظر العرف تحوّلًا للخشب إلى الفحم ، لا فناء شيء ووجود شيء آخر مستقلّ عن الأوّل .
وأجاب استاذنا الشهيد رحمه الله عن ذلك بأنّ هذا التعبير لا يدلّ على أكثر من وجود خيط ممتدّ بين الحالتين ، وقاسم مشترك متّصل يحسّ به العرف - ولو إجمالًا - بين الخشب والفحم ، وقد تبادلت عليه صورتا الخشب والفحم ، فليست الصورتان منفصلة أحداهما عن الأخرى تماماً . أمّا أنّ ذاك القاسم المشترك عبارة عن الجسم ، فغير معلوم ، فليكن ذاك القاسم المشترك المحسوس إجمالًا عبارة عمّا أسماه الفلاسفة بالهيولى ، والتي لا تقبل عرفاً أن تكون هي المعروضة للنجاسة ؛ ولهذا ترى أنّه لدى تحويل المادّة إلى الطاقة يقول العرف أيضاً : « تحوّلت المادّة إلى طاقة » ، ولا يقول : « انعدمت المادّة ووجدت طاقة مستقلّة عن تلك المادّة » ، مع أنّ الجسم في هذا الفرض غير منحفظ 1 لدى تحوّلها إلى الطاقة .
ثُمّ إنّنا إذا لم نسلّم تبدّل الجسم عرفاً في المقام لدى تحوّل الخشب فحماً أو رماداً فقد يستدلّ على مطهّريّة الاستحالة بوجوه أخرى نذكر بعضها :
الأوّل : أنّ دليل تنجّس ملاقي النجاسة بالسراية ليس عبارة عن دليل لفظيّ له إطلاق -