وأمّا الوضع التعيينيّ بمثل « وضعت » فاحتماله ساقط في المقام ؛ لأنّ العادة جارية وقاضية بأنّ الواضع حينما يريد الوضع إنّما يريد أن يوجد به لغةً وعرفاً عامّاً لغويّاً ؛ وهذا لا يكون إلّابالإلقاء على المجتمع ، لا بالوضع في غرفته ، أو عند شخص واحد . ونحن لا نحتمل أنّه صلى الله عليه وآله ألقى المطلب اجتماعيّاً ولم ينقل بأيّ شكل من الإشكال ، مع تمام اهتمامهم بنقل كلّ ما يسترعي الانتباه من سيرته صلى الله عليه وآله .
وأمّا الوضع التعيينيّ الاستعماليّ فليس أمراً مستبعداً ، كما كان التعيينيّ التصريحيّ مستبعداً ؛ لأنّه في التعيينيّ التصريحيّ كان يفترض صدور جملة إنشائيّة في مقام الوضع ، وكان يستبعد عدم نقلها إلينا كما عرفت . وأمّا هنا ، فيفترض صدور استعمال عن النبيّ صلى الله عليه وآله ، وما أكثر استعماله لهذه الألفاظ ، فلعلّ أوّل الاستعمالات كان إعلاميّاً .
إلّا أنّ هذا المقدار من البيان إنّما يُثبت مجرّد عدم البُعد ، ولا يكفي ذلك ، بل لابدّ من إقامة دليل على هذا الوضع حتّى يثبت .
وغاية ما يتحصّل من كلماتهم في مقام الاستدلال على ذلك هي : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان مخترعاً لهذه المركّبات الاعتباريّة ، وسيرة العقلاء جارية على أنّ المخترع لُامور جديدة يتصدّى إلى وضع ألفاظ لهذه المعاني الجديدة ، وحيث لم يثبت الوضع بالتصريح ، إذن فقد كان الوضع بنفس الاستعمال .
وينبغي أن يكون واضحاً : أنّ هذه الصيغة من البيان بهذا المقدار غير كافية ، فإنّه لو سلّمنا الصغرى ، وهي كون الشارع مخترعاً لمركّبات ، والكبرى ، وهي كون سيرة العقلاء في مثل ذلك وضع ألفاظ للمعاني الجديدة ، فغاية ما يفيد ذلك الظنّ بأنّ الشارع لم يتجاوز السيرة العقلائيّة في المقام ، فهو أيضاً وضع ألفاظاً لهذه المعاني .
أمّا دعوى القطع بذلك ، فلا يمكن إلّابنحو المجازفة ، ولا دليل على حجّيّة مثل هذا
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 288
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٨٨