أنّ التعهّد لا يتعلّق إلّابما يدخل تحت الاختيار ، والنسبة بين زيد وعالم ليست تحت اختياري أنا الواضع أو المستعمل حتّى أكون متعهّداً بها ، فلا أستطيع أن أجعل زيداً عالماً ، فلا يمكنني أن أقول : إنّني متى ما قلت : « زيد عالم » فأنا متعهّد بأنّ النسبة واقعة بين زيد وعالم ، وإنّما الذي يكون تحت الاختيار هو قصد الحكاية عن علم زيد . فهذا هو مفاد هيئة الجملة .
وهذا الاعتراض أغرب من الاعتراض السابق ؛ وذلك لأنّنا إذا جارينا هذا الطرز من التعبير ، فماذا نقول عن الحروف مثلًا التي قال السيّد الأستاذ - دامت بركاته - عنها : إنّها موضوعة لتحصيص المفاهيم الاسميّة ، فإذا قال : « الإنسان في السماء ممكن » فهل تحت اختياره تحقّق « الإنسان في السماء » ؟ وماذا نقول في المفردات ؟ فحينما يقول : « زيد » مثلًا وهو اسم لابن خالد مثلًا ، فما معنى تعهّده بابن خالد ؟ وهل ابن خالد تحت اختياره ؟ !
وحلّ المغالطة هو : أنّه لا إشكال في أنّ المتعهّد به أمر نفسانيّ ، وهو قصد إخطار صورة زيد مثلًا في ذهن السامع ، فحينما نقول : إنّ كلمة زيد مثلًا موضوعة لابن خالد نعني بذلك بناء على مسلك التعهّد أنّنا تعهّدنا قصد إخطار صورة ذاك المعنى في ذهن السامع ، وكذا في الحروف تعهّدنا قصد إخطار صورة التحصيص في ذهن السامع ، وعندئذٍ نقول في مثل « زيد عالم » : إنّ كونه مجعولًا للنسبة لا ينافي مسلك التعهّد ، ومعنى التعهّد هنا التعهّد بقصد إخطار صورة النسبة ، فهذا الإشكال لا يقتضي إبطال المسلك الأوّل ، وتعيين المسلك الثاني ، وغاية ما يقتضيه : أنّ المتعهَّد به يجب أن يكون أمراً نفسانيّاً ، وهذا الأمر النفسانيّ ، عند المشهور عبارة عن قصد إخطار صورة النسبة ، وعند السيّد الأستاذ - دامت بركاته - عبارة عن قصد الحكاية ، فهذا الاختلاف لا ربط له بمسألة التعهّد .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 170
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٠