مستقلّان ، بدليل : أنّ مفهوم الابتداء قابل لأن يوجد بوجود استقلاليّ في الذهن ، وكلّ إنسان يستطيع أن يتصوّر مفهوم الابتداء دون أن يتصوّر أطرافه ، وبحسب القائمة المعروفة للمقولات العشر يمكن إدخاله في مقولة الإضافة من قبيل الابوّة والبنوّة . وأمّا حاقّ النسبة بين السير والبصرة ، فلا يمكن وجودها في الذهن مستقلّاً ؛ لما سوف نبرهن عليه من أنّها بذاتها فقيرة ومتعلّقة بالغير ، فلا يمكن لحاظها مستقلّاً ، فهي أمر تعلّقيّ ماهيةً ووجوداً . فمن يقول بأنّ معنى « من » ومعنى الابتداء واحد هل يقصد أنّ معنى الابتداء هو النسبة كَمِنْ ، أو يجرّد كلمة « من » من معنى النسبة ، ويقول : إنّ معناها هو الابتداء ؟ فإن قصد الثاني وقال : إنّ « من » والابتداء كلاهما بمعنى الابتداء ، إلّاأ نّه حينما يلحظ الابتداء لحاظاً مستقلّاً سمّي بالابتداء ، وحينما يلحظ فانياً وحالة في غيره سمّي بمن ، قلنا : إنّ الابتداء وإن كان قابلًا للّحاظين ، بمعنى : أنّه تارةً يلحظ بما هو هو ، وأخرى بما هو حالة وطور لغيره ، لكنّه حينما يلحظ بما هو حالة وطور لغيره لا محالة يشتمل على نسبة بين الابتداء وبين ما كان طوراً له ؛ لأنّ كلًاّ منهما مفهوم استقلاليّ ، وكلّ مفهوم استقلاليّ إذا أريد ربطه بمفهوم استقلاليّ آخر فلا محالة لابدّ من ربط ونسبة بينهما ، ففي مورد لحاظ الابتداء طوراً وحالة في غيره يوجد ابتداء وتوجد نسبة ، فإن كان « من » للابتداء كما فرض احتجنا إلى دالّ آخر على النسبة ، وليس ما يدلّ على النسبة إلّاالحرف بمعنىً يشمل الهيئات ، فرجعنا إلى أنّ معنى الحرف هو النسبة ، وهو مباين لمعنى الاسم . فكلمة « مِن » في « سرت من البصرة » ليس معناها الابتداء ، وإلّا لاحتاج إلى النسبة ، وليس معناها النسبة بين الابتداء والبصرة ؛ إذ لا ابتداء عندئذٍ في الكلام . وعليه ، فيجب أن يكون معناها النسبة بين السير والبصرة .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 134
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٣٤