الحرفيّ بذاته معنىً مفتقر ، وتنشأ تبعيّته من حاقّ ماهيته ، كما أنّ المعنى الاسميّ في ذاته وماهيته مستقلّ . وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون لحاظ المعنى الحرفيّ آليّاً وغير مستقلّ ؛ لأنّ الوجود سواء كان ذهنيّاً - وهو اللحاظ - أو خارجيّاً إنّما يبرز واقع الماهية وخصائصها ، فإذا كانت الماهية في عالم الماهويّة والذات غير مستقلّة ، فلا يمكن أن يكون وجودها الذهنيّ مستقلّاً . وأمّا مثل من علم بأصل سفر زيد وأراد أن يسأل عن أنّ سفره في السيّارة أو في الطائرة مثلًا ، فله طريقان إلى هذا السؤال :
1 - أن يأخذ مفهوماً اسميّاً إجماليّاً مشيراً إلى المعنى الحرفيّ كمفهوم الكيفيّة والخصوصيّة ونحو ذلك ، فيقول : أسألك عن كيفيّة ركوبه ، أو خصوصيّة سفره ، ونحو ذلك .
2 - أن يسأل عن الحصّة الخاصّة من حصص المفهوم الاسميّ ، فهو يعلم بأصل السفر ، لكن السفر له حصّتان : الأولى : السفر المتحصّص والمتقيّد بكونه في السيّارة ، والثانية : السفر المتحصّص والمتقيّد بكونه في الطائرة ، وهو إنّما يعلم بالجامع بين الحصّتين ، ولا يعلم بإحدى الحصّتين بالخصوص ، فيقول : هل سافر زيد في السيّارة أو في الطائرة ؟ واللحاظ الاستقلاليّ لم يتعلّق بالمعنى الحرفيّ ، بل تعلّق بطرفه المتحصّص به ، وتعلّق بالمعنى الحرفيّ بالتبع . فمعنى سؤاله هو : أنّ أيّ الحصّتين من السفر وجدت خارجاً ؟ هل السفر المقيّد بكونه في السيّارة ، أو السفر المقيّد بكونه في الطائرة ؟ بعد العلم بالجامع بينهما .
والتحقيق بعد اندفاع هذه الاعتراضات : أنّ أصل هذا المسلك غير صحيح .
والبرهان على ذلك هو : أنّه يوجد عندنا شيئان : أحدهما : مفهوم الابتداء ، أي : كون السير قد ابتدأ من البصرة ، والآخر : النسبة الواقعة بين السير والبصرة ، وهما أمران
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 133
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٣٣