أما إنّي سأؤدّبك أدبا يتأدّب به غيرك . يا علي بن الهيثم ، قد صفحت عنك ، ووهبت لك كلّ ما قدّرت أن أطالبك به . ورفع رأسه إلى الحاجب وقال : لا يبرح ابن الجنيد الدار حتى يحمل لعليّ بن الهيثم مائة ألف درهم ، ليكون له بذلك عقل « 1 » . فلم يبرح حتى حملها إلى ابن الهيثم « 2 » .
وكان خالد بن أبان الأنباري ، أخو عبد الملك بن أبان ، بينه وبين ابن الهيثم حرمة ، أيام مقامهما بالأنبار ، فاختلّت حال خالد وضاقت ، وتوجّه إلى مصر ، فبلغه ما وصل إليه عليّ بن الهيثم ، فكتب إليه أبياتا بالذهب ، منها : [ من الطويل ]
على الخالق الباري توكّلت إنه * يدوم إذا الدنيا أبادت قرونها
فداؤك نفسي يا عليّ بن هيثم * إذا أكلت عجف السنين سمينها
رميتك من مصر بأمّ قلائدي * ترفّ « 3 » وقد أقسمت أن لا تهينها
فوجّه إليه بألف دينار ، وكتب إلى عامل مصر ، فاستعمله ، وحسنت حاله .
وعاتبه الفضل بن الربيع يوما على تأخّره ، وزاد عليه ؛ فقال جونقا « 4 » : [ من الرجز ]
وجدني « 5 » الفضل رخيصا جدّا * فعقّني وازورّ عنّي صدّا
وظنّ والظّنون قد تعدّى * أنّي لا أصيب منه بدّا
أعدّ منه ألف بدّ عدّا « 6 »
ثم انصرف جونقا ، ولم يعمل بعدها للسلطان عملا .
هامش
( 1 ) في النسخ جميعا : عقلا ؛ والتصويب عن معجم الأدباء .
( 2 ) د : حملها لابن الهيثم .
( 3 ) معجم الأدباء 15 / 135 : تزان .
( 4 ) نصّ ياقوت في معجم الأدباء 15 / 137 على أن الأبيات في معجم المرزباني ؛ ولم ترد هذه الأبيات في ما طبع من معجم الشعراء .
( 5 ) كذا في أصول معجم الأدباء أيضا ؛ ولا وجه لتغييرها إلى : « وعدّني » ، كما صنع المحقّق .
( 6 ) سقط هذا الشطر من د .