فاضلا ، كثير التقعير في كلامه ، يستعمل العويص من اللغة في محاوراته ، حتى إن المأمون قال : أنا أتكلّم مع الناس أجمعين على سجيّتي ، إلا عليّ بن الهيثم ، فإنّي أتحفّظ إذا كلّمته ، لأنه يغرق في الإغراب « 1 » .
ودخل يوما جونقا إلى سوق الدوابّ ، فلقيه نخّاس ، فقال : هل من حاجة ؟
قال : نعم ، الحاجة أناختنا بعقوتك ، أردت فرسا قد انتهى صدره ، وتقلقلت « 2 » عروقه ، يشير بأذنيه ، ويتعاهدني بطرف عينيه ، ويتشرّف « 3 » برأسه ، ويعقد عنقه ، ويخطر « 4 » بذنبه ، ويناقل برجليه ؛ حسن القميص ، جيّد الفصوص ، وثيق القصب ، تامّ العصب ، كأنّه موج لجّة ، أو سيل حدور . فأجابه النخّاس بجواب نزّهت هذا الكتاب عنه .
وقال المأمون يوما : ببابي رجلان ، [ أحدهما ] « 5 » أريد أن أضعه وهو يرفع نفسه ، وهو علي بن الهيثم ، والآخر أريد أن أرفعه وهو يضع نفسه « 6 » ، وهو الفضل بن جعفر بن يحيى البرمكي .
ودخل جونقا يوما على المأمون ، وعنده أحمد بن الجنيد الإسكافي وجماعة من الخاصّة ، فقال المأمون : يا عدوّ اللّه ، يا فاسق ، يا لصّ ، يا خبيث ! سرقت الأموال وانتهبتها ؛ واللّه لأفرّقنّ بين لحمك ودمك وعظمك ، ولأفعلنّ ولأفعلن . ثم سكن غضبه قليلا ، فقال أحمد بن الجنيد : نعم واللّه يا أمير المؤمنين ، إنه وإنه . . ! لم يدع شيئا من المكروه إلا قاله فيه . فقال له المأمون : يا أحمد ، ومتى اجترأت عليّ بهذه الجرأة ؟ رأيتني وقد غضبت ، فأردت أن تزيد في غضبي !
هامش
( 1 ) ط م : لأنّه يعرق في الإعراب ؛ د : إذا كلمته لا يعرف في الإعراب ؛ والتصويب عن معجم الأدباء وبغية الوعاة . وكتب في حاشية م : متقعّر .
( 2 ) ط : تعلقلت ؛ م د : تعلعلت ؛ والتصويب عن معجم الأدباء وبغية الوعاة .
( 3 ) كذا في النسخ جميعا وفي بغية الوعاة ؛ معجم الأدباء : يتشوّف .
( 4 ) في النسخ جميعا : يخط ؛ والتصويب عن معجم الأدباء وبغية الوعاة .
( 5 ) زيادة من معجم الأدباء 15 / 143 .
( 6 ) وهو علي . . . نفسه : سقط من د .