تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
وهدموها وطمّوا خنادقها ، وكانت حصينة . ثم إن الموفق كتب إلى الخبيث يؤمّنه ويطلب منه الرجوع والتوبة والإنابة ، فقرأه ولم يجب عنه بشيء ، فتوجّه الموفّق بعساكره إلى المختارة مدينة الخبيث ، فرأى حصانتها بالأسوار والخنادق ، وبما فيها من المناجيق وغيرها من آلات الحصار ، فهاله ذلك وأكبره . وكان الموفق في خمسين ألف رجل والخبيث في زهاء ثلاث مائة ألف . فنادى الموفق بالأمان للناس أسودهم وأبيضهم إلا الخبيث . وكتب بذلك رقاعا ورماها في السّهام إلى داخل المدينة ، وأمر ببناء مدينة سماها الموفقية بإزاء مدينة المختارة وأقام بها الأسواق وكثّر التجار وبنى الجامع وصلّى الناس فيه ، واتخذ بها دور ضرب ، ورغب الناس في سكناها ، فاستأمن من أصحاب الخبيث خمسة آلاف رجل من بين أسود وأبيض ، وبثّ الموفق السرايا فما كان يخلو يوم من أن يؤتى برءوس القتلى من أصحاب الخبيث ، وكان يرمي بالرءوس إلى مدينة الخبيث في المنجنيقات ، فاستولت الرّهبة على أصحاب الخبيث ومنعوا من الميرة . ولم تزل الحروب بينهم إلى أن استولى الموفق ، على أسوار المختارة ، فأحرق ما هناك من آلات الحصار ، واستأمن كثير من خواصّ الخبيث ، وهرب منهم جماعة ، وقحطوا وأكلوا السرطانات والضفادع والحشرات ولحوم القتلى والكلاب والسنانير ، وذبحوا الأطفال وطبخوهم وأكلوهم لعدم وصول الميرة إليهم . وملكوا دور الخبيث / فهرب / بأولاده إلى مضايق أشبة في نهر الخصيب لا تصل السفن إليها ولا الخيل ، وسدّ المنافذ . فجمع الموفّق العساكر وزحف إليه ، فبرز إليه الخبيث بنفسه فيمن بقي معه وهو يقول : [ من الطويل ]
سأغسل عني العار بالسّيف جالبا * عليّ قضاء اللّه ما كان جالبا وأذهل عن داري وأجعل نهبها * لعرضي من باقي المذلّة حالبا فإن تهدموا بالغدر داري فإنها * تراث كريم لا يبالي العواقبا إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه * ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في رأيه غير نفسه * ولم يرض إلّا قائم السّيف صاحبا