فالتحم القتال وكثرت الجراح ، وصدق المسلمون القتال ، وثبت أصحاب الخبيث ثم هزموا وقتل منهم جماعة وأسر جماعة من أكابر خواصّه ، فضرب الموفّق أعناقهم . ودخل أصحاب الموفّق دار الخبيث وأخذوا حرمه وأولاده الذكور والإناث ، وكانوا أكثر من مائة ، وهرب الخبيث . فجهّزت العساكر خلفه فلم يزالوا في طلبه إلى أن قتلوه ، وجئ برأسه إلى الموفّق ، فلما رآه وعرفه ، سجد للّه تعالى شكرا ، وعلّق رأسه على رمح وطيف به في العسكر . وهرب من جماعة الخبيث نحو ألفي زنجي ، فماتوا في البريّة عطشا واستأصل اللّه شأفتهم . وكانت قتلة الخبيث يوم السبت لليليتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين . وكان دخوله إلى البصرة وغلبته عليها في شوّال سنة ستّ وخمسين ، فبقي محاربا أربع عشرة سنة وأربعة أشهر يسفك فيها الدماء ويستحلّ المحارم / ، ومن شعره « 1 » : [ من الكامل ]
وعزيمتي مثل الحسام وهمّتي * نفس أصول بها كنفس القسور
وإذا تنازعني أقول لها اسكتي * قتلي مريحك أو صعود المنبر « 2 »
ما قد قضى سيكون فاصطبري له * ولك الأمان من الذي لم يقدر
ولما هرب من الدار التي كان فيها قال « 3 » : [ من الطويل ]
عليك سلام اللّه يا خير منزل * خرجنا وخلّفناه غير ذميم
فأن تكن الأيام أحدثن فرقة * فمن ذا الذي من ريبها بسليم « 4 »
ومنه « 5 » : [ من الطويل ]
أما والذي أسرى إلى ركن بيته * حراجيج بالرّكبان مقوّرة حدبا « 6 »
هامش
( 1 ) ورد البيتان الأول والثاني في سير النبلاء ، وفي عمدة الطالب ستة أبيات بنفس الوزن والقافية ، وأبيات أخر . وانظر : شرح نهج البلاغة 3 / 16 .
( 2 ) سير النبلاء : قتل يريحك .
( 3 ) انظر البيتين في معجم الشعراء للمرزباني 291 ، والبصائر والذخائر 2 / 505 .
( 4 ) معجم المرزباني : من ريبهنّ سليم .
( 5 ) راجع البيتين في سير النبلاء 13 / 136 ، ومجلة المورد مجلد 3 / عدد 3 / 168 .
( 6 ) حراجيج : ج حرجوج ، وهي الناقة الجسيمة الطويلة .