فوجد أمي قاعدة عند رأسي فقالت له : إنه يموت فقال : إذا مات هذا من يخرب البصرة ؟ قال : فما زال في قلبي ذلك إلى أن خرجت بها .
وكان بسرّمنرأى وتصرّف في أشغال الديوان وقال الشعر واستماح « 1 » به . ثم حدث في / نفسه الكفر والخبث ودعوى الإمامة وعلم الغيب والخروج على الأئمة ، وضرب الناس بعضهم ببعض . فقدم البصرة سنة تسع وأربعين ومائتين وأقام بهجر ، ودعا إلى طاعته « 2 » فمال إليه عميد « 3 » هجر وخلق من البحرين ، وباينه قوم ، وسفكت بينهم الدماء . فانتقل إلى الأحساء فأطاعه أهلها حتى كانوا لا يدعون شيئا من فضلاته يسقط إلى الأرض ، ويأخذونه تبرّكا به . وكثر أتباعه وجبي له الخراج ، ونفذ حكمه ، ودافع الولاة ، وجرت بينهم وقائع ، فخاف أهل البحرين وخرج إلى البادية بأهله ومن تبعه . وجال في البادية واستغوى من لقيه من الأعراب وأوهمهم أنه يعلم منطق الطير ، فأغار بمن تابعه على فرضة من فرض البحرين فنهبها وأخذ أموالها وخرّبها . ثم قوتل فنبت به البادية ، فهرب إلى البصرة فيمن تبعه سنة أربع وخمسين ومائتين ، فدعا - هو وأصحابه - الناس إليه ، فثار الجند عليهم فهرب ، وقبض على بعض شيعته وعلى ابنه الأكبر وأمه وابنته فحبسوا ، فصار إلى مدينة السلام وأقام بها حولا يستغوي الناس من الحاكة والأراذل ، ومات والي البصرة وفتحت الحبوس فخلص أهله ، فرجع إلى البصرة واستولى على غلمان الناس من الزنوج يبذل لهم الأموال ويطمعهم في النهب ، حتى أتاه منهم خلق كثير . وعمد إلى حريرة فكتب فيها بالأحمر والأخضر :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
« 4 » إلى آخر الآية / ، وكتب اسمه واسم أبيه وعلّقها في رأس بردي « 5 » ، وخرج في السّحر ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة
هامش
( 1 ) أبو الفداء وابن الوردي : يستمنح .
( 2 ) وادعى أنه علي بن محمد بن الفضل بن حسين بن عبد اللّه بن عباس بن علي بن أبي طالب .
( 3 ) كذا في الأصول ، وربما كانت تصحيفا لكلمة : عبيد ، وفي سير النبلاء : رئيس هجر .
( 4 ) سورة التوبة 9 / 111 .
( 5 ) كذا في الأصول ولعلها تصحيف لكلمة : مردي ، وهي خشبة طويلة تستعمل لدفع القارب .