ما فعل اللّه بهذا الطاغية الفاسق ، يعني شاورا ، فكتب ولم يذكره إلّا بالخير فغضب أسد الدين وقال : ما لك لا تكتب بما آمرك به ؟ فقال : ما يسعني ذلك أيها / الوزير لحقوق له عليّ ، فأغلظ له وتهدّده إن لم يكتب وحلف ليوقعن به ، فوثب حتى صار بين يديه وقال : قد انبسط الآن عذري فيما كنت أكاتب به المولى فإنما أنا آلة أكتب حسبما أومر فسط عذره وأعجبه مخرجه من الحجّة وآنس به آنسا تاما .
فلما مات أسد الدين شيركوه ترشّح أكابر الدولة لمكانه وطمع فيها من هو أهل لذلك ، ولم يكن صلاح الدين ممن تطمع نفسه في تلك الرتبة ، واتفق أنه اجتمع بالفاضل في دار السلطان وجرى حديث من ترشّح للولاية ، وبسط صلاح الدين الحديث في ذكرهم ولم يذكر نفسه ، فجذبه الفاضل إليه وقال له سرا : هل عندك قوة لأن تلي هذا الأمر ؟ فقال صلاح الدين : وأنّى لي بذلك وهنا مثل فلان وفلان وعدّد الأكابر ، فقال له : لا عليك فإني أدبّر أمرك فاستعد لذلك . فبينا هما في الحديث ، استدعي الفاضل إلى مجلس العاضد واستشير فيمن يولّى ، ولم يكن شيركوه دفن بعد ، لأن من عادتهم أنّ الذي يتولى يلبس في الجنازة أخضر دون كل من فيها وهي إمارة الولاية ، فقال الفاضل : رأي أمير المؤمنين أعلى وهو أعرف ، فقال العاضد : ما تقول في فلان فوهّى أمره وذكر شيئا صدفه عنه ، إلى أن ذكر جماعة كلّهم كذلك ، فقال للفاضل : فمن ترى أنت ؟ قال : ما رأيت في الجماعة أحسن طريقة من يوسف ابن أيوب ابن أخي الميّت ، فإني اختبرته ورأيته يرجع إلى دين وأمانة ، فقال العاضد : إني أخاف أن لا يرضى به القوم ، فقال الفاضل : يا أمير المؤمنين أنت ألبسه وأجلسه وهو يبذل الأموال ويصلح حال الرجال ففعل ذلك .
وخرج الناس وعلى صلاح الدين الأخضر من دون الجماعة « 1 » فعرفوا أنه
هامش
( 1 ) عن خلعة الوزارة التي قلّدها صلاح الدين راجع الروضتين لأبي شامة ( تحقيق محمد حلمي محمد أحمد - 1962 ) 1 / 2 : 438 .