كاتب الإنشاء يومئذ ، قال : فأحضرني الظافر وأمرني أن أكتب إلى الوالي بالإسكندرية أن يتسلّم ابن البيساني من القاضي ابن حديد ويقطع يده ويسيّرها إلينا ، قال : فما علمت السبب ولا عرفت ابن البيساني ، ووددت لو كان هذا الكتاب بخط غيري ، فأخذت الدواة والقلم والدّرج وكتبت :
بسم اللّه الرحمن الرحيم وبطّلت الكتابة ، فنظر إليّ وقال : ما تنظر ؟ قلت : عفو مولانا ، قال : تعرف هذا الرجل ؟ قلت : لا واللّه ، قال : هذه رقعة وردت من الديوان تخبر بسوء أدبه واستخفافه ، وذاك أنه كتب كتابا وجعل بين السطر / والسطر شبرا وهذا لا يكون إلّا من الفاضل إلى المفضول . وبلغني أيضا أنه يرى انتقاضنا وذهاب دولتنا دينا ، فقلت : إن رأى استحضار المكتوب والوقوف عليه فأحضر ، فرأيت أبلغ كتاب وأحسن عبارة فقلت : هذا كتاب معدوم المثال وكاتبه أوحد عصره ، وما كتبوا في أمره بما كتبوا إلّا حسدا له ، فإن رأى إحضار كاتبه وسماع لفظه والعمل بموجب المشاهدة رجوت أن يكون ثوابا وصوابا . فكتبت بتسييره مكرّما ، فما كان إلّا مسافة الطريق حتى أحضر إلى مجلس الظافر ، وأنا حاضر ، فرأيت شابا ظريفا بثياب قصار وأكمام لطيفة وطيلسان ، فوقف بين يديّ الظافر ، فقال الظافر : اختبره في شيء من الرسائل . فقلت له : مولانا يأمرك أن تكتب منشورا لأحد أولياء دولته يتضمّن توليته ما وراء بابه ، فقال : السمع والطاعة ، فقرّبت منه دواة فأخذ يكتب وهو قائم ، وكان إذا أراد أن يستمد انكب إلى الدواة ثم وقف فكتب ، فلما أن رأى الظافر جريان قلمه وثبات جنانه ، أمر خادما أن يحمل له الدواة ، ثم فرغ من الكتابة وهو قائم على رجله ، فتناوله الخادم وعرضه على الظافر ، فاستحسن خطّه وكان خطّا مليحا رائقا على طريقة ابن مقلة ، وقال لي : اقرأه . فقلت : يا مولانا اسمعه من منشئه فهو أحسن ، فقرأه بلسان حاد وبيان صادق ، فلما استتم قراءته أمر الظافر بقلع طيلسانه وأخذ عذبة عمامته
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 338
مساهمون: خليل الصفدي
ص٣٣٨