جعفر يخدعه بالرسائل إلى أن عاد . وكان أبو مسلم ينظر في كتب الملاحم ويجد خبره فيها وأنه مميت دولة ومحيى دولة وأنه يقتل ببلاد الروم . وكان المنصور برومية المدائن التي بناها كسرى ، ولم يخطر لأبي مسلم أنها موضع قتله . فلما دخل على المنصور رحّب به وأمره بالانصراف إلى مخيّمه . وركب أبو مسلم إليه مرارا وأظهر له التجني ، ثم جاءه يوما فقيل له إنه يتوضأ للصلاة فقعد تحت الرواق ، ورتّب له المنصور جماعة يقفون وراء السرير الذي خلف أبي مسلم ، فإذا عاتبه لا يظهرون ، فإذا ضرب يدا على يد ظهروا وضربوا عنقه . ثم جلس المنصور ودخل أبو مسلم فسلّم فردّ عليه وأذن له في الجلوس وحادثه ثم عاتبه ، فقال : فعلت وفعلت ، فقال أبو مسلم : ما يقال هذا إليّ بعد سعيي واجتهادي وما كان منّي ، فقال المنصور : يا ابن الخبيثة إنما فعلت ذلك بجدّنا وحظنا ولو كان مكانك أمة سوداء لعملت عملك ، ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك قبلي ، ألست الكاتب تخطب عمتي آسية وتزعم أنك ابن سليط بن عبد اللّه بن العباس ؟ لقد ارتقيت لا أم لك مرتقى صعبا . فأخذ أبو مسلم بيده يعركها ويقبلها ويعتذر إليه ، فقال له المنصور : قتلني اللّه إن لم أقتلك ، ثم صفّق بيده على الأخرى فخرج إليه القوم وخبطوه بسيوفهم ، والمنصور يقول : اضربوا قطع اللّه أيديكم ، وكان أبو مسلم قد قال عند أول ضربة : استبقني يا أمير المؤمنين لعدوك ، فقال : لا أبقاني اللّه أبدا إذا ، وأي عدو أعدى منك ؟ ثم أدرج في بساط فدخل جعفر ابن حنظلة فقال له المنصور : ما تقول في أمر أبي مسلم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن كنت أخذت من رأسه شعرة فاقتل ثم / اقتل ثم اقتل ، فقال المنصور : وفّقك اللّه ، ها هو في البساط ، فلما نظره قتيلا قال : يا أمير المؤمنين عدّ هذا اليوم أول خلافتك ، فأنشد المنصور : [ الطويل ]
فألقت عصاها واستقرّت بها النوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر