تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
فأزلفاني إلى مقرّ الخلفاء ، ووقّفاني بين يدي الأئمة الأكفاء ، وإذا لديهم جماعة الوزراء والقضاة ، ومن كنت أمتدحهم أيام الحياة ، فأومئوا بالدعوى عليّ إلى ابن أبي دواد ، وكان عليّ شديد الاتّقاد ، سديد سهام الأحقاد ، فحكم عليّ بردّ صلاتي ، والفدية بجميع صومي وصلاتي ، فقلت قول المدلّ الواثق ، عائذا بالمأمون والمعتصم والواثق : يا أمراء المؤمنين ما هذه المؤاخذة بعد الرّضى ، وقد مضى لي من خدمتكم ما مضى ؟ فقال المأمون ، وصمت الباقون : يا ابن أوس إنّك مدحتنا والناس بأشعار منحولة ، وقصائد مقولة منقولة ، وكلام مختلق ، سرقته من قائله قبل أن يخلق ، فلما آن أوانه ، واتّسق زمانه ، استردّ ودائعه منك ، وهو غير راض عنك ، فقلت : ومن ذا الذي أعدمني بعد الوجود ، وأعاضني المعدوم بالموجود ، وملك عليّ فنّي ، وأصبح أحقّ به منّي ؟ فقال : كأنّك لا تعرف الواعظ الموصلي الولاد ، الحوصلي البلاد ، الغريب العمّة ، القريب الهمّة ، البعبعي الإيراد ، الودعي الإنشاد ،
كأنّما بين خياشيمه * مفكّر يضرب بالطبل
الذي انتزعك مدائحه ، وارتجعك منائحه ، واستلبك قلائده ، واحتلبك قصائده ، بعد ما كنت تغيّر أسماءها ، وتحلي بغير نجومها سماءها ، فأصبح يتقرب إلى ملوك عصره بما كنت تدّعيه ، ويعي منه ما لم تكن تعيه ، نازعا عن وجوهها سواتر النّقب ، واضعا هناءها مواضع النّقب ، قد جعل إليه عقدها وحلّها ، وكان أحقّ بها وأهلها ، فقلت : خاب الساعون ، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، قد كان عهدي بهذا الرجل فارضا ، فمتى صار قارضا ، وأعرفه يتستّر بالحشويّة ، فمتى ارتبك بين البديهة والرويّة ، وكان ذا طبع جافي ، عن التعرّض لنظم القوافي ، وقد كان أخرج من الموصل ، وليس معه قران يوصل ، فاشتغل بترّهات القصّاص ، نصبا على ذوات الأعين من وراء الخصاص ،