مواقف حصره ، فبتّ في غماره عائما ، وقد تعتري الأحلام من كان نائما ، ومن حقّ تأويله أن يقال : خيرا رأيت وخيرا يكون ، وهو انّي رأيت في ما يرى الحالم الرائي ، أبا تمام حبيب بن أوس الطائي ، في صورة رجل كهل ، كأس من الفضل عار من الجهل ، العربيّة تعرب عن شمائله ، والألمعيّة تلمع في مخايله ، فجعل يرمقني في اعتراض ، ويستنطقني من غير اعتراض ، ثم سعى إليّ بإقدام الأقدام عليّ فعرّفني بنفسه ، بعد أن عرّفني بثاقب حدسه ،
فقمت للزّور مرتاعا وأرّقني * حقّا أرى شخصه أم عادني حلم
فلمّا سلّم عليّ وحيّا ، حاورت منه كريم المحيّا ، فقال : ألست ابن نصر ، شاعر العصر ؟ فقلت : نعم ، فغار ماء وجهه ونضب ، وأثار كامن حقده عليّ الغضب ، وقال : يا معشر الأدباء ، والفضلاء الألبّاء ، متى أهملت بينكم الحقوق ، وحدث فيكم هذا العقوق ، وأضيعت عندكم حرمة السلف ، وخلف فيكم هذا الخلف ، أأنهب وتغضون ، ويغار عليّ وترتضون ، ألست أول من شرع لكم البديع ، وأنبع لكم عيون التقسيم والترصيع ، وعلّمكم شنّ الغارات ، على ما سنّ من عجائب الاستعارات ، وأراكم دون الناس ، غرائب أنواع الجناس ، فكلّ شاعر بعدي وإن أغرب ، وزيّن أبكار أفكاره فأعرب ، فلا بدّ له من الاعتراف بأساليبي ، والاغتراف من منابع قليبي ، وهذا حقّ لي على من بعدي ، لا يسقطه موتي ولا بعدي ،
ومن الحزامة لو تكون حزامة * أن لا تؤخّر من به تتقدّم « 1 »
فلما ملكتني سورة دعواه ، وحرّكتني فورة شكواه ، قلت : أيها الشيخ الأجلّ سلبت المهل ، وألبست الخجل ، فما ذاك ، ومن ذاك ؟ قال : كنت بحضرة القدس ، ومستقرّ الأنس ، إذ جاءني عبدان ، لم يكن لي بهما يدان ،
هامش
( 1 ) البيت لأبي تمام من قصيدة يمدح بها مالك بن طوق ، وقوله ( لو تكون حزامة ) ليس كذا في الديوان ( طبع القاهرة سنة 1942 ص : 206 ) بل نصه : أيها النطف الحشا .