فلما وقف عليه الظاهر قال : هذا يصلح أن يكون وزيرا ، اطلبوه . فخشي الصاحب على نفسه ، وسعى إلى أن أبطل القضية وجعل السلطان يتناساها « 1 » ؛ وتزيد هذه الرواية شيئا ربما لم يتفق مع خلق ابن خلكان ونفسيته إذ تنسب إليه أنه كان كل يوم يركب ويقف بباب القرافة ، ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله إلى بيته « 2 » ؛ وتصوّر مقدار ما بلغته حاله من الفقر بأنه لم يبق له غير البغلة يركبها وأن عبدا له كان يعمل ويطعمه من كسب يده « 3 » .
ولكن ابن خلكان قضى في القاهرة - بعد العزل - ما لا يقلّ عن سبع سنوات ، وربما كانت هذه الرواية إنما تصوّر حاله في آخر تلك الفترة ، إذ تجعل هذا الفقر سببا في إعادته إلى القضاء مرة أخرى ، وعاملا في إثارة عطف الصاحب بهاء الدين عليه ؛ ورغم ما قاساه ابن خلكان في هذه الفترة من ضائقة مادية مضى في اكمال كتابه ، وقراءة كتب جديدة يستمد منها المعلومات والفوائد .
ولما عاد إلى القضاء بدمشق سنة 677 كان قد انتهى من تدوين أكثر ما كان قد أرجأه بسبب زحمة العمل في شؤون القضاء .
كتب تقليد لابن خلكان بقضاء دمشق وأعمالها من العريش إلى سلمية ، على مثل حاله السابق ، في ذي الحجة سنة 676 ، وحضر عند السلطان الملك السعيد ( إذ كان الظاهر والده قد توفي ) لابسا للخلعة . وفي السابع والعشرين من الشهر المذكور توجه إلى دمشق ، فدخلها في 23 محرم سنة 677 ؛ وكانت الأخبار بتوليه القضاء قد وصلت إلى دمشق فامتنع ابن الصائغ عن مباشرة أعماله ؛ ولم تستطع السنوات السبع أن تنسي أهلها قاضيهم المحبوب ، فخرج الناس لتلقيه ، حتى وصل بعضهم إلى غزة وبعضهم إلى الرملة ، وآخرون إلى قطيا ، وكان يوم دخوله مشهودا ، لم ير ما يشبهه في الاحتفال والزحمة ، وركب نائب السلطنة عز الدين أيدمر بجميع العسكر لتلقيه ، وتوجه حال دخوله إلى المدرسة العادلية ، فجلس فيها ، وتوافد الشعراء يهنئونه ، وتبارى القراء في القراءة ، وألمح كثير من الشعراء إلى أن السنوات السبع كانت
هامش
( 1 ) الصفدي 7 : 311 .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) المصدر نفسه .