تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
لمصلحة رآها إلى الجانب الشمالي في يوم الجمعة العشرين من رجب ونصب المناجيق ، وضايق البلد بالزحف والقتال حتى أخذ النقب في السور مما يلي وادي جهنم . ولما رأى أعداء اللّه ما نزل بهم من الأمر الذي لا مدفع له عنهم ، وظهرت لهم أمارات فتح المدينة وظهور المسلمين عليهم ، وكان قد اشتد روعهم لما جرى على أبطالهم وحماتهم من القتل والأسر وعلى حصونهم من التخريب والهدم ، وتحققوا أنهم صائرون إلى ما صار أولئك إليه ، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان ، واستقرت القاعدة بالمراسلة من الطائفتين ، وكان تسلمه في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب ، وليلته كانت ليلة المعراج المنصوص عليها في القرآن الكريم . فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب ، كيف يسر اللّه تعالى عوده إلى المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى اللّه عليه وسلم ، وهذه علامة قبول هذه الطاعة من اللّه تعالى . وكان فتحه عظيما شهده من أهل العلم خلق ، ومن أرباب الخرق والزهد عالم ، وذلك أن الناس لما بلغهم ما يسره اللّه تعالى على يده من فتوح الساحل وقصده القدس ، قصده العلماء من مصر والشام ، بحيث لم يتخلف أحد منهم ، وارتفعت الأصوات بالضجيج بالدعاء والتهليل والتكبير ، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه وخطب الخطيب - قلت : وقد تقدم في ترجمة القاضي محيي الدين محمد بن علي المعروف بابن الزكي ذكر الخطبة التي خطب بها ذلك اليوم ، فيكشف منه . ورأيت في رسالة القاضي الفاضل المعروفة بالقدسية أن الخطبة أقيمت يوم الجمعة رابع شعبان ، واللّه أعلم . [ وإذ قد ذكرنا فتوح القدس ، وقد تقدم ذكر الخطبة التي خطب يوم الجمعة بها ، يليق أن نذكر الرسالة التي كتبها القاضي الفاضل إلى الإمام الناصر لدين اللّه أبي العباس أحمد ابن الإمام المستضيء بأمر اللّه ، تتضمن الفتوح فإنها بديعة بليغة في بابها ، ولم أذكرها بكمالها بل اخترت منها أحسنها ، وتركت الباقي لأنها طويلة ، وهي : ( 1 ) انظر ج 4 : 230 - 236 .