تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وأقعد الملك في دهليز الخيمة ، واستحضر البرنس أرناط وأوقفه بين يديه وقال له : ها أنا أنتصر لمحمد منك ، ثم عرض عليه الإسلام فلم يفعل ، فسلّ النيمجاه فضربه بها فحل كتفه وتمم قتله من حضر ، وأخرجت جثته ورميت على باب الخيمة . فلما رآه الملك على تلك الحال لم يشك في أنه يلحقه به ، فاستحضره وطيب قلبه وقال له : لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك ، وأما هذا فإنه تجاوز الحد وتجرأ على الأنبياء صلوات اللّه عليهم . وبات الناس في تلك الليلة على أتم سرور ، ترتفع أصواتهم بحمد اللّه وشكره وتهليله وتكبيره ، حتى طلع الفجر . ثم نزل السلطان على طبرية يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر ، وتسلم قلعتها في ذلك النهار وأقام عليها إلى يوم الثلاثاء . ثم رحل طالبا عكا فكان نزوله عليها يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر ، وقاتلها بكرة يوم الخميس مستهل جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين فأخذها ، واستنقذ من كان بها من أسارى المسلمين وكانوا أكثر من أربعة آلاف نفس ، واستولى على ما فيها من الأموال والذخائر والبضائع لأنها كانت مظنّة التجار ، وتفرقت العساكر في بلاد الساحل يأخذون الحصون والقلاع والأماكن المنيعة ، فأخذوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة ، وكان ذلك لخلوها من الرجال لأن القتل والأسر أفنى كثيرا منهم . ولما استقرت قواعد عكا وقسم أموالها وأساراها ، سار يطلب تبنين ، فنزل عليها يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى ، وهي قلعة منيعة ، فنصب عليها الماجيق وضيق بالزحف خناق من فيها ، وكان فيها أبطال معدودون وفي دينهم متشددون ، فقاتلوا قتالا شديدا ، ونصره اللّه سبحانه عليهم ، فتسلمها منهم يوم الأحد ثامن عشره عنوة ، وأسر من بقي فيها بعد القتل . ثم رحل عنها إلى صيدا فنزل عليها ، وتسلمها في غد يوم نزوله عليها ، وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الأولى ، وأقام عليها ريثما قرر قواعدها . وسار حتى أتى بيروت فنازلها ليلة الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى وركب عليها المجانيق ، وداوم الزحف والقتال حتى أخذها في يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر المذكور
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 177 | ابن خلكان / إحسان عباس / إحسان عباس