تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
المصطفين الأخيار
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( البقرة : 216 ) فجاس خلال تلك الديار أهل الكفر والإلحاد ، وتحكم في تلك الأبشار أولو الزيغ والعناد « 1 » ، فأصبحت تلك القصور ، كالممحوّ من السطور ، وأمست « 2 » تلك الأوطان ، مأوى الأصداء والغربان ، تتجاوب في نواحيها البوم ، وتتناوح في أراجيها « 3 » الريح السموم ، ويستوحش فيها الأنيس ، ويرثي لمصابها إبليس :
كأن لم يكن فيها أوانس كالدّمى * وأقيال ملك في بسالتهم أسد فمن حاتم في جوده وابن مامة * ومن أحنف إن عد حلم ومن سعد تداعى بهم صرف الزمان فأصبحوا * لنا عبرة تدمي الحشا ولمن بعد
فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون من حادثة تقصم الظهر ، وتهدم العمر ، وتفت في العضد ، وتوهي الجلد ، وتضاعف الكمد ، وتشيب الوليد ، وتنخب لب الجليد ، وتسوّد القلب ، وتذهل اللّب ، فحينئذ تقهقر المملوك على عقبه « 4 » ناكسا ، ومن الأوبة إلى حيث تستقر فيه النفس بالأمن آيسا ، بقلب واجب ، ودمع ساكب ، ولب عازب ، وحلم غائب ، وتوصل وما كاد حتى استقر بالموصل بعد مقاساة أخطار ، وابتلاء واصطبار ، وتمحيص الأوزار ، وإشراف غير مرّة على البوار والتبار ، لأنّه مرّ بين سيوف مسلولة ، وعساكر مفلولة ، ونظام عقود محلولة ، ودماء مسكوبة مطلولة ، وكان شعاره كلما علا قتبا ، أو قطع سبسبا
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
( الكهف : 62 ) فالحمد للّه الذي أقدرنا على الحمد ، وأولانا نعما تفوت الحصر والعد . وجملة الأمر أنّه لولا فسحة في الأجل ، لعز أن يقال سلم البائس أو وصل ، ولصفق عليه أهل الوداد صفقة المغبون ، وألحق بألف ألف ألف ألف ألف هالك بأيدي الكفار
هامش
( 1 ) ن : والأفك والعناد . ( 2 ) ق ع ن بر من : وآضت . ( 3 ) ع بر من : أرجائها . ( 4 ) ن ق : عقبيه .