القول ، واعتنقه وقبّله ؛ فلما قتله بعد ذلك قال للفضل بن الربيع : قاتل اللّه جعفرا ، وذكر هذا الخبر وقال : واللّه ما تأملت عنقه إلا لموضع السيف منها .
ولما عزم جعفر على بناء قصره شاور أباه يحيى بن خالد فيه فقال : هو قميصك إن شئت فوسعه وإن شئت فضيقه . وأتاه وهو يبني داره هذه ، وإذا الصناع يبيضون حيطانها فقال : إنك تغطي الذهب بالفضة ، فقال له جعفر :
ليس في كل أوان يكون ظهور الذهب أصلح ، ولكن هل ترى عيبا ؟ قال :
نعم ، مخالطتها دور السفل والسوقة . . . .
وقال إسحاق بن سعد القطربلي : أخبرني أبو حفص عمر بن فرج قال :
انصرفت مع عمرو بن مسعدة يوما من الشماسية والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة ، فلما صرنا بإزاء قصر جعفر بن يحيى قال عمرو : يا أبا حفص ، سرت أنا وجعفر يوما كمسيرنا هذا ، فلما نظر إلى البناء قال لي : يا أبا الفضل إني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي ولكن قلت إن بقي فهو قصر جعفر ، وإن شره السلطان إليه في وقت من الأوقات فهو قصر جعفر ، وان مضت عليه الأيام فإنما يقال : قصر جعفر ، ويبقي لي اسمه وذكره ، وربما مر عليه بعض من لنا عنده معروف فترحم علينا . ثم قال عمرو : فو اللّه لكأن جعفرا كان ينظر إلى ما آلت إليه الحال فيه .
ولما مضت ثلاثة أيام من قتل الرشيد جعفرا ، قال الرشيد لمسرور : ما كان جعفر يصنع لما أخذته ؟ قال : كان يلعب بالشطرنج ويشرب وعنده جبريل ابن بختيشوع الطبيب ، قال : فما قال حين مسه حد السيف ؟ قال : سمعته يقول : أهون بها من قتلة ولا سيما إذا كانت في طاعة اللّه ، فقال الرشيد : ويلي على ابن الفاعلة ، أراد أن يوهم أني قتلته في هوى نفسي ، لا بل في طاعة اللّه . . . .
واختصم إليه رجلان فقال لأحدهما : أنت خلي وهذا شجي ، فجوابك يجري على برد العافية وجوابه يجري على حر المصيبة .
ورفع رجل إلى جعفر رقعة ذكر فيها قصده إياه بأمل طويل ورجاء فسيح ، فوقّع على ظهرها : هذا يمت بحرمة الأمل وهي أقرب الوسائل وأثبت الوصائل ، فليعجل له من ذلك عشرون ألف درهم ، وليمتحن ببعض الكفاية ، فان
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 474
مساهمون: ابن خلكان
ص٤٧٤