تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
فقال : إني أخاف أن أوخذ فأرد ، فبعث معه من أوصله إلى مأمنه ، وبلغ الخبر الرشيد فدعا به وطاوله الحديث وقال : يا جعفر ، ما فعل يحيى ؟ قال : بحاله ، قال : بحياتي ، فوجم وأحجم وقال : لا وحياتك ، أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده ، فقال : نعم الفعل ، وما عدوت ما في نفسي ، فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال : قتلني اللّه إن لم أقتلك . وقيل : سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد فقال : واللّه ما كان منهم ما يوجب بعض عمل الرشيد بهم ، ولكن طالت أيامهم وكلّ طويل مملول ، واللّه لقد استطال الناس الذين هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وما رأوا مثلها عدلا وأمنا وسعة أموال وفتوح ، وأيام عثمان رضي اللّه عنه حتى قتلوهما ، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم ، وكثرة حمد الناس لهم ، ورميهم بآمالهم دونه ، والملوك تتنافس بأقلّ من هذا ، فتعنّت عليهم ، وتجنّى وطلب مساويهم ، ووقع منهم بعض الإدلال ، خاصة جعفر والفضل ، دون يحيى ، فإنه كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور ، ولاذ من أعدائهم بالرشيد ، كالفضل بن الربيع وغيره ، فستروا المحاسن وأظهروا القبائح ، حتى كان ما كان ، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد يقول « 1 » :
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم * من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
وقيل : السبب أنه رفعت إلى الرّشيد قصة لم يعرف رافعها فيها :
قل لأمين اللّه « 2 » في أرضه * ومن إليه الحلّ والعقد هذا ابن يحيى قد غدا مالكا * مثلك ، ما بينكما حدّ أمرك مردود إلى أمره * وأمره ليس له ردّ وقد بنى الدار التي ما بنى ال * فرس لها مثلا ولا الهند الدّرّ والياقوت حصباؤها * وتربها العنبر والندّ
هامش
( 1 ) البيت للحطيئة ، ديوانه : 40 . ( 2 ) ه : لأمين الناس .