جعفر بإزالتها ، فقال أبو عبيد : دعوها عسى يأتيني بقصدها لي خير ، فإنهم يزعمون ذلك ، فأمر له جعفر بألف دينار وقال : نحقق زعمهم ، وأمر بتنحيتها ، ثم قصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى .
وحكى ابن القادسي في « أخبار الوزراء » أن جعفرا اشترى جارية بأربعين ألف دينار ، فقالت لبائعها : اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمنا ، فبكى مولاها وقال : اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها ، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئا ، وأخبار كرمه كثيرة ، وكان أبلغ أهل بيته .
وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس عبد اللّه السفاح بعد قتل أبي سلمة حفص الخلال - كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء اللّه تعالى - ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة ، وتولى أخوه أبو جعفر عبد اللّه المنصور الخلافة في اليوم المذكور ، فأقر خالدا على وزارته ، فبقي سنة وشهورا . وكان أبو أيوب المورياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر للمنصور تغلّب الأكراد على فارس ، وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها ، فلما بعد خالد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر . وكانت وفاة خالد سنة ثلاث وستين ومائة ، ذكره ابن القادسي ، وقال ابن عساكر في « تاريخ دمشق » : ولد خالد في سنة تسعين للهجرة ، وتوفي سنة خمس وستين ومائة ، واللّه أعلم .
وكان جعفر متمكنا عند الرشيد ، غالبا على أمره ، وأصلا منه ، وبلغ من علوّ المرتبة عنده ما لم يبلغه سواه ، حتى إن الرشيد اتخذ ثوبا له زيقان ، فكان يلبسه هو وجعفر جملة ، ولم يكن للرشيد صبر عنه ؛ وكان الرشيد أيضا شديد المحبة لأخته العباسة ابنة المهدي ، وهي من أعز النساء عليه ، ولا يقدر على مفارقتها ، فكان متى غاب أحد من جعفر والعباسة لا يتم له سرور ، فقال :
يا جعفر ، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة ، وإني سأزوّجها منك ليحلّ لكما أن تجتمعا ، ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما ، فتزوجها على هذا الشرط .
ثم تغبر الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ونكبهم وقتل
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 332
مساهمون: ابن خلكان
ص٣٣٢