تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11632

مساهمون:

ص١١٦٣٢
وهذا الإيتاء من الله يتم في خفاء ؛ لذلك يُسمونه وحياً ، وهو من الغيبيات ، فالله تعالى لا يمدُّ يده فيعطي النبي أو الرسول شيئاً حسِّياً ، ومن هنا ارتبط الإيمان بالغيبيات دون المحسَّات ، فأنا لا أقول مثلاً : آمنتُ بأنني قاعد في مسجد الشيخ سليمان وأمامي جَمْع من الإخوة . . الخ . إذن : لا بُدَّ أنْ يكون الإيمان بأمر غيبي . الحق - سبحانه وتعالى - يُؤتِى على توالي العصور أنبياءه معجزات ، ويؤتيهم منهجاً يسوس حركة الحياة ، ولا يقتصر إيتاء الله على الرسل ، إنما يؤتى غير الرسل ، ويؤتى الحيوان . . الخ . ثم يعطينا الحق سبحانه نموذجاً للحكمة التي آتاها لقمان : { أَنِ اشكر للَّهِ . . } [ لقمان : 12 ] هذه هي الحكمة الأولى في الوجود ؛ لأنك إنْ شكرتَ الله على ما قدَّم لك قبل أنْ توجد ، وعلى ما أعطاك قبل تسأل ، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم ، كأنه تعالى يقول لعباده : ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم . فإن شكرك لله يهدم أول لبنة من لبنات الاغترار ، فالذي يفسد خلافة الإنسان في الأرض أنْ يغترَّ بما أعطاه الله وبما وهبه ، وينسى أنه خليفة ، ويعتبر نفسه أصيلاً في الكون ، والشكر لله تعالى يكون على ما قدَّم لك من نعم . ومن ذلك قوله تعالى : { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل : 78 ] أي : تشكر الله على ما سبق ، فقد وُلدتَ لا تعلم شيئاً ، ثم تكونت عندك آلات الإدراك والعلم ، فعلمتَ وملأت قلبك بالمعاني الجميلة ؛ لذلك تشكر الله عليها ، فجَعْل هذه الآلات لك ، عِلَّته أنْ تشكر أي : على ما مضى .