وعلم أننا لسنا في غفلة ، وأننا نكشف ألاعيبه ، ونعرف حيله وصدق الله العظيم حين قال : { وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الأعراف : 200 ]
وقد وصف الله الشيطان بأنه خنّاس ، يعني : إذا ذُكِر الله خنس وتضاءل ، فإنْ جاءك هذا الخاطر الشيطاني - حتى وإنْ كنتَ تقرأ القرآن - قُلْ بجرأة وقوة : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ؛ ليعلم أن ألاعيبه لا تخفي عليك فينصرف عنك ، أما أن تخضع له فإنه يعطيك فقط طرف الخيط ، ويفتح لك باباً يشغلك به ، ثم يتركك أنت ( تكُرُّ ) هذا الخيط من نفسك ، ويذهب هو ( يستغفل ) واحداً غيرك .
والشيطان رغم عِلْمه ، إلا أن فيه تغفيلاً بدليل أنه أعلن عن خطته ، وأظهر لنا مكايده قبل أنْ يكيدنا بها ، فقال : { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم } [ الأعراف : 16 ] وقال { لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ . . } [ الأعراف : 17 ] ، فالذي يدبر المكايد ويتآمر على غيره لا يعلن عن مكايده مُقدماً ، ونحن أيضاً كان علينا أنْ نحذر هذه المكايد خاصة ، وقد أعلن عدونا عنها .
ولك أنْ تلحظ في خطة إبليس أنه يأتيك من جهاتك الربع ، ومعلوم أن الجهات ست ، فلماذا لم يذكر فوقنا وتحتنا ؟ قالوا : لأن هاتين الجهتين محلُّ نظر إلى الله عَزَّ وَجَلَّ ، فالعبد ينظر إلى عِزِّ الربوبية في عليائه وذُلِّ العبودية إذا اتجه في سجوده إلى أسفل .
إذن : فأنت في معية ربك في هاتين الجهتين ، والشيطان لا ينال منك إلا وأنت بعيد عن معية ربك . ومثَّلْنا لذلك ، ولله المثل الأعلى ؛ قلنا : إن الغلام إذا كان يسير في يد أبيه وفي صحبته ، لا يجرؤ أحد من أمثاله على الاعتداء عليه ، إنما إنْ سار وحده فهو عُرْضة للإيذاء .
تفسير الشعراوي — صفحة 11629
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٢٩