إذن : مباشرة الخَلْق باليد دليل على العناية بالمخلوق ؛ لأن اليد هي الآلة الفاعلة لأكثر الأشياء ، وحتى الآن نفخر بعمل اليد فنقول ( هذا الشيء يدويّ ) يعني : لم تصنعه آلة صماء ، إنما يد مفكر يتقن الصنعة .
وفي مسألة خَلْق آدم - عليه السلام - يحلو للبعض أن يقول : هو الذي أخرجنا من الجنة ، فهل قال الله تعالى قبل أن يصدر أول بيان عن آدم أنني خلقُته للجنة ، ثم عصى آدم ربه وتسبب في أنْ نخرج منها ؟
لم يقُلْ ذلك ، إنما قال : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً . . } [ البقرة : 30 ] فهو - إذن - مخلوق للأرض ، وما الجنة التي دخلها إلا جنة التجربة لا جنة الخلد ، والبعض يظن أن كلمة الجنة إذا أُطلقَتْ تعني جنة الآخرة ، وهذا خطأ بدليل قول الله تعالى : { إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } [ القلم : 17 ]
وقوله تعالى : { واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ . . } [ الكهف : 32 ]
فالجنة في اللغة هي المكان الملئ بالأشجار الكثيفة التي تستر مَنْ يسير فيها ، كما تستره أيضاً عن البيئة الخارجية ؛ لأنها تكفيه بما فيها عن الاحتياج إلى غيرها ، فبها كل مُقوِّمات الحياة ، ومن ذلك الجنة التي دخلها آدم ؛ لأن الله تعالى أراد أنْ يصنع لآدم تدريباً على مهمة الخلافة ، ولم لا ونحن نُدرَّب كل صاحب مهمة على مهمته قبل أنْ يقوم بها ، حتى لاعب الكرة .
وحين نأخذ المتدرب لندربه على أداء مهمته لا بُدَّ أن نوفر له كل مُقوِّمات حياته ، ونتكفل له بكل ما يعينه على أداء مهمته ، فنقدم له
تفسير الشعراوي — صفحة 11624
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٦٢٤