فهذا القول منهم دليل على غبائهم . أولاً : لأنهم يتمنوْنَ العذاب .
ثانياً : لأنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس ، ولم يقولوا حتى لبعضهم البعض ؛ لأن ( يقولون ) جمع ، و ( في أنفسهم ) جمع ، فكأن كلاً منهم كان يقول ذلك في نفسه .
إذن : ألم يسأل واحد منهم نفسه : مَنِ الذي أعلم رسولَ الله بما في نفسي ؟ أَلاَ يدل ذلك على أن محمداً موصول بربه ، وأنه لا بُدَّ فاضحهم ، وكاشفٌ مكنونات صدورهم ، إذن : هذا غباء منهم .
والمتتبع لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن الإسلام لم يأخذهم على غرَّة ، إنما أعطاهم العهد وأمنَّهم ووسَّع لهم في المسكن والمعيشة طالما لم يُؤذُوا المسلمين ، لكن بلغ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه يتناجوْنَ بالإثم والعدوان ، فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالإثم والعدوان ، لكنهم عادوا مرة أخرى ، كما قال القرآن عنهم { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ . . . } [ المجادلة : 8 ] .
إذن : لم يَبْقَ إلا المواجهة على حَدِّ قول الشاعر :
أَنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقَّبَ بَعْدهَا . . . وَعيداً فإنْ لم يُغْنٍ أغنَتْ عَزَائمهُ
لذلك يأتي جواب الشرط : { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ . . . } [ الأحزاب : 60 ] .
فجواب الشرط : { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ . . . } [ الأحزاب : 60 ] من الإغراء ، وهو باب من أبواب الدراسات النحوية اسمه الإغراء ، ويقابله التحذير ، الإغراء : أنْ تحمل المخاطب وتُحبِّبه في أمر محبوب ليفعله ، كما تقول لولدك مثلاً : الاجتهادَ الاجتهادَ .
تفسير الشعراوي — صفحة 12176
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢١٧٦