الآخر : اللهم أعْط مُمسكاً تَلَفاً » ، فكيف تقولون : إن الملائكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم بالشر ؟
وهم معذورون في اعتراضهم ؛ لأن ملكاتهم لا تستطيع فَهْم المعاني في الحديث الشريف ، والتناقض في نظرهم في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً » ، فالأولى واضحة لا تناقض فيها ؛ لأنها دعوة بالخير ، أما الثانية فهي دعوة بالشر . « اللهم أعْط ممسكاً تلفاً » .
ولو تأملوا نصَّ هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب ، فالتلف يُعطي أم يؤخذ ؟ المفروض أنه يُؤخذ ، فحين يقول رسول الله : « اللهم أعط ممسكاً تلفاً » فاعلم أنه عطاء لا أَخْذٌ وإن كان في ظاهره تلفاً ، والمعنى أن شيئاً شغلك ، وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك ، إذن : هو أَخْذ في الظاهر عطاء في الحقيقة .
ثم يبيّن لنا الحق سبحانه العلَّة في صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين ، فيقول { لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور . . . } [ الأحزاب : 43 ] فكأن منهج الله بافعل ولا تفعل هو أول صلاة الله علينا ؛ لأنه الوسيلة التي تُخرجنا من الظلمات إلى النور ، وجاء هنا بالشيء الحسِّيِّ لنقيس عليه المعنوي ، فأنت في النور ترى طريقك وتهتدي إلى غايتك بلا معاطب ، أمَّا في الظلام فتتخبط خُطَاك وتضلّ الطريق في الظلام ، تسير على غير هُدى ، وعلى غير بصيرة ، فتحطم الأضعف منك ، ويُحطِّمك الأقوى منك .
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُوجِّهنا حين ننام بالليل أنْ نطفيء المصابيح فيقول : «
تفسير الشعراوي — صفحة 12069
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠٦٩