قالوا : لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشرٌ بشراً أبداً ، فمن الممكن مثلاً في شهادة أنْ لا إله إلا الله أنْ يأتي مَنْ يمدح آخر ، فيقول له : ليس في الكون إلا أنت ، أنت النافع وأنت الضار ، وهناك من قال عن نفسه : أنا الزعيم الأوحيد ، كذلك في الصلاة نرى مَنْ يخضع ويسجد لغير الله كما نخضع ونسجد نحن في الصلاة ، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير بالهدايا له أو لمن حوله .
لكن ، هل قال بشر لبشر : أنا أصوم شهراً ، أو يوماً تقرُّباً إليك ؟ لا . . لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا للصائم ؛ لأنه سيُضطرّ لأنْ يظل طوال اليوم يراقبك ، أكلتَ أم لم تأكل ؟
ولأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في الحديث القدسي : كل عمل ابن آدم له إلا الصوم ، فإنه لي ، وأنا أجزي به « يعني : جزاؤه خارج المقرر كما قلنا .
ومن عظمة تكليف الصوم أيضاً أن الله تعالى أحلَّ لنا أشياء ، وحرَّم علينا أشياء أخرى تحريماً أبدياً ، فالذي تحمَّل التكليف أَلِفَ الحلال ولم يألف ما حُرِّم عليه ، ورسختْ هذه العقيدة في نفسه ، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبداً ، فلم يأْتِ على باله مرة مثلاً أنْ يشرب الخمر ، أو يأكل الميتة ، فهذه مسألة منتهية بالنسبة له ، فأراد الله تعالى أنْ يديم لذَّة التكليف على البشر ، ففرضَ الصومَ الذي يُحرِّم عليك اليوم ما كان مُحلَّلاً لك بالأمس ومألوفاً حتى صار عادة .
إذن : هناك فَرْق بين دوام العادة ولذة العبادة ، وتأمل مثلاً يوم الفطر ، والفطر عادة لك في غير هذا اليوم ، وأنت حر تفطر أو لا تفطر ، فإذا ما جاء يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى
تفسير الشعراوي — صفحة 12033
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠٣٣