الناس في حركة الحياة ارتباطَ حاجةٍ ، لا ارتباطَ تفضُّل كما قُلْنا .
لذلك ، فالرجل الذي يكنس لك الشارع مُميِّزٌ عنك ؛ لأنه يؤدي عملاً تستنكف أنت عن أدائه ، وإذا أدَّى لك هذا العامل عملاً لا بُدَّ أنْ تعطيه أجره ، في حين إذا سألك مثلاً سؤالاً وأنت العالم أو صاحب المنصب . . . إلخ فإنك تجيبه ، لكن دون أنْ تأخذ منه أجراً على هذا الجواب ، وقد مكثتَ أنت السنوات الطوالَ تجمع العلم وتقرأ وتسمع ، إلى أنْ وصلتَ إلى هذه الدرجة ، وصارت لك خصوصية ، إذن : لكل منا ، ذكر أو أنثى ، فردية شخصية تُميِّزه .
هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي { لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النساء . . . } [ الأحزاب : 32 ] هذه هي الخصوصية التي تُميِّزهن عن غيرهن من مطلق النساء ، فمطلق النساء لَسْنَ قدوة ، إنما نساء النبي خاصة قدوة لغيرهن من النساء وأُسْوة تُقتدى .
والشرط بعد هذا النفي { إِنِ اتقيتن . . . } [ الأحزاب : 32 ] يعني : أن زوجيتهن لرسول الله ليست هذه ميزة ، إنما الميزة والخصوصية في تقواهن لله ، وإلا فهناك من زوجات الأنبياء مَنْ كانت غير تقية .
وقوله تعالى : { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ . . . } [ الأحزاب : 32 ] أي : اقْطَعْنَ طريق الفاحشة من بدايته ، ولا تقربن أسبابها ، واتركْنَ الأمور المشتبهة فيها . ومعنى الخضوع بالقول أنْ يكون في قول المرأة حين تخاطب الرجال ليونة ، أو تكسُّر ، أو ميوعة ، أو أن يكون مع القول نظرات أو اقتراب .
فإذا اضطرِرِتُنَّ لمحادثة الرجال فاحذرْنَ هذه الصفات { فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ . . . } [ الأحزاب : 32 ] والمعنى : أنا لا أتهمكُنَّ ، إنما الواحدة منكُنَّ لا تضمن الرجل الذي تُحدِّثه ، فربما كان في قلبه
تفسير الشعراوي — صفحة 12019
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٢٠١٩