{ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ . . } [ الأحزاب : 23 ]
وساعة تسمع كلمة { رِجَالٌ . . } [ الأحزاب : 23 ] في القرآن ، فاعلم أن المقام مقام جدٍّ وثبات على الحق ، وفخر بعزائم صُلْبة لا تلين ، وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال ، وهؤلاء الرجال وَفَّوا العهد الذي قطعوه أمام الله على أنفسهم ، بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة الإسلام ، ولو يصل الأمر إلى الشهادة .
وقوله تعالى : { فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ . . } [ الأحزاب : 23 ] قضى نحبه : أي أدَّى العهد ومات ، والنحب في الأصل هو النذر ، فالمراد : أدى ما نذره ، أو ما عاهد الله عليه من القتال ، ثم اسْتُعمِلَت ( النحب ) بمعنى الموت .
لكن ، ما العلاقة بين النذر والموت ؟ قالوا : المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمناً للوفاء بهذا النذر ، وجاء هذا التعبير { فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ . . } [ الأحزاب : 23 ] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذراً . أي : انذر لله أنْ تموت ، لكن في نُصْرة الحق وفي سبيل الله ، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه وروحه لله ، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله .
فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لُدن آدم عليه السلام حتى الآن ؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله ، فينذرها ويقدمها لله عن رضا ، ولِمَ لا وقد ضحيتَ بحياة ، مصيرها إلى زوال ، واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعَّمة .
وقد ورد في الأثر : « ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت » ومع أننا نرى الموت لا يُبقى على أحد فينا إلا أن كل
تفسير الشعراوي — صفحة 11983
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٩٨٣