{ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } [ السجدة : 29 ] أي : ليس لكم الآن إمهال ؛ لأن الذي خلقكم يعلم سرائركم ، ويعلم أنه سبحانه لو أمهلكم لَعُدْتم لما كنتم عليه { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ الأنعام : 28 ]
ثم يقول الحق سبحانه : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر . . . } .
هذا المعنى كما نقول في العامية ( اديني عرض كتافك ) أي : انصرف عنهم ، فلم يَعُدْ بينك وبينهم لقاءٌ ، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع ، ولم يَبْقَ لهم إلا السيف يردعهم ، على حَدِّ قول الشاعر :
أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عَقِّبْ بعدَها وَعيداً . . . فَإنْ لَمْ يُغْنِ أَغَنَتْ عَزَائمهُ
فقد بلَّغهم رسول الله وأنذرهم ، لقد بشَّرهم بالجنة لمن آمن ، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا . إذن :
فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أو حَدّ مُرْهَف . . . فالعاقل الوحي يقنعه ، والجاهل السيف يردعه .
وقوله سبحانه : { وانتظر . . } [ السجدة : 30 ] أمر من الله تعالى لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، أي : انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة ، وقلنا : إن وعد الله محقق ، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده ، أما الإنسان فعليه حين يَعِد أنْ يتنبه إلى بشريته ، وأنه لا يملك شيئاً من أسباب تنفيذ ما وعد به .
لذلك يُعلِّمنا ربنا : { وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن
تفسير الشعراوي — صفحة 11877
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٧٧