وقوله سبحانه { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [ السجدة : 21 ] أي : رجاء أنْ يعودوا إلى ساحة الإيمان . وقلنا : إن لعلَّ تفيد الرجاء المحقق إنْ كان الفعل من الله عَزَّ وَجَلَّ ، أما الرجاء هنا فرجاء في العبد الذي يملك الاختيار ؛ لذلك رجع منهم البعض ، ولم يرجع الآخرون .
ثم يقول الحق سبحانه : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن . . . } .
هنا أيضاً يعرض علينا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في صورة هذا السؤال التقريري ، كأنه سبحانه يقول لنا : أنا رضيت ذمتكم يا عبادي ، فقولوا لي : هل يوجد أحد أظلم ممَّنْ ذُكِّر بآيات ربه ، ثم أعرض عنها . والمنطق الطبيعي أن نقول : لا أحدَ أظلم من هذا . وهذا إقرار مِنّا بهذه الحقيقة ؛ لذلك عرضها الحق سبحانه في صورة سؤال بدل الإخبار بها .
ومعنى { ذُكِّرَ . . } [ السجدة : 20 ] أي : أن رسالات الله إلى خَلْقه ما هي إلا تذكير بعهد الإيمان القديم الذي أخذه الله على عباده حين قال سبحانه : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ . . . } [ الأعراف : 172 ] وسبق أنْ قُلْنا إن في كل منّا ذرةً شهدتْ هذا العهد ، وعلى كل منا أنْ يحفظ إشراقات هذه الذرة في نفسه بأنْ يُغذِّيها بالحلال ، ويُعوِّدها الطاعة لتبقى فيه إشراقات الإيمان .
كما قال تعالى : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [ الشمس : 7 - 10 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 11848
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٤٨