تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11802

مساهمون:

ص١١٨٠٢
فالحق سبحانه يخلق الشيء ، ويخلق من ضده دافعاً له . ثم يقول سبحانه : { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ } [ السجدة : 7 ] فالإنسان الذي كرّمه الله على سائر المخلوقات بدأه الله من الطين ، وهو أدنى أجناس الوجود ، وقلنا : إن جميع الأجناس تنتهي إلى خدمة الإنسان . الحيوان وهو أقربها للإنسان ، ثم النبات ، ثم الجماد ، ومن الجماد خُلِق الإنسان . وقد عوَّض الله عَزَّ وَجَلَّ الجماد الخادم لباقي الأجناس حين أمر الإنسان المكرَّم بأن يُقبِّله في فريضة كُتبت عليه مرة واحدة في العمر ، وهي فريضة الحج ، فأمره أن يُقبِّل الحجر الأسود ، وأنْ يتعبد لله تعالى بهذا التقبيل ؛ لذلك يتزاحم الناس على الحجر ، ويتقاتلون عليه ، وهو حجر ، وهم بشر كرَّمهم الله ، وما ذلك إلا ليكسر التعالي في النفس الإنسانية ، فلا يتعالى أحد على أحد . وسبق أنْ بيّنا أن المغرضين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله قالوا : إن الله تعالى قال في مسألة الخَلْق مرة { مِّن مَّآءٍ . . . } [ المرسلات : 20 ] ومرة { مِن تُرَابٍ . . . } [ الكهف : 37 ] ومرة { مِّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ] ومرة { مِن صَلْصَالٍ . . . } [ الحجر : 33 ] ومرة { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 26 ] . . الخ ، فأيُّ هذه العناصر أصل للإنسان ؟ وقلنا : إن هذه مراحل مختلفة للشيء الواحد ، والمراحل لا تقتضي النية الأولية ، فالماء والتراب يُكوِّنان الطين ، فإذا تُرك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون ، فإذا تُرك حتى يجفَّ ويتجمد فهو الصلصال ، فهذه العناصر لا تعارض بينها ، ويجوز لك أنْ تقول : إن الإنسان خُلِق من ماء ، أو من تراب ، أو من طين . . . إلخ . والمراد هنا الإنسان الأول ، وهو سيدنا آدم - عليه السلام - ثم