ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية من قضايا أصول الكون : { الله الذي . . . } .
يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما لخدمة الإنسان ، وهو المكرَّم الأول في هذا الكون ، وجميع الأجناس في خدمته حيواناً ونباتاً وجماداً ، فهو سيد في هذا الكون ، لكن هل أخذ هذا السيد سيادته بذاته وبفعله ؟ لا إنما أخذها بفضل الله عليه ، فكان عليه أولاً أنْ يشكر مَنْ أعطاه هذه السيادة على غيره .
وهذا السيد عمره ومروره في الحياة عبور ، فعمره فيها يطول أو يقصر ينتهي إلى الموت ، في حين أن الجمادات التي تخدمه عمرها أطول من عمره ، وهي خادمة له ، فكان لزاماً عليه أنْ يتأمل هذه المسألة : كيف يكون عمر الخادم أطول وأبقى من عمر السيد المخدوم ؟
إذن : لا بد أن لي عمراً آخر أطول من هذا ، عمراً يناسب تكريم الله لي ، ويناسب سيادتي في هذا الكون ، إنها الآخرة حيث تندثر هذه المخلوقات التي خدمتني في الدنيا وأبقى أنا ، لا أعيش مع الأسباب ، إنما مع المسبب سبحانه ، فلا أحتاج إلى الأسباب التي خدمتني في الدنيا ، إنما أجد كل ما أشتهيه بين يديَّ دون تعب ودون سَعْى ، وهذه ارتقاءات لا تكون إلا لمَنْ يطيع المرقى المعطي .
تفسير الشعراوي — صفحة 11788
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٨٨