عمرو ، فأفادتْ الإضراب عما قبلها ، وإثبات الحكم لما بعدها ، وهم يقولون افتراه والله يقول : { بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ . . } [ السجدة : 3 ٍ فكلامهم واتهامهم باطل ، والقرآن هو الحق من عند الله .
وقُلْنا : إن { الحق . . } [ السجدة : 3 ] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير ؛ لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبداً ، كيف ؟ هَبْ أن حادثة وقعتْ نتج عنها مُدَّع ومُدَّعًى عليه وشهود ، واجتمعوا جميعاً أمام القاضي ، وقد يحدث أن يُغيِّر أحدهم أقواله ، أو يشهد الشهود شهادة زور .
لكن خبرة القاضي ودُرْبته تكشف الحقائق وتُظهِر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض ، ويسألهم ويحاورهم إلى أنْ يصل إلى الحقيقة ؛ ذلك لأن الواقع شيء واحد ، ولو أنهم يصفون واقعاً لا تفقوا فيه ، ولباقة القاضي هي التي تُظهِر الباطل المتناقض وتُبِطله وتُحِقّ وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض .
كالقاضي الذي اجتمع أمامه خَصمْان ، يدَّعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالاً ولم يردّه إليه ، فقال المدَّعَي عليه : بل رددته إليه في مكان كذا وكذا ، فأنكر المدَّعى ، فقال القاضي للمدَّعَى عليه : اذهب إلى هذا المكان ، فلعل هذا المال وقع منك هناك ، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت ، فقال القاضي للمدعى : لقد أبطأ صاحبك ، فقال : أبطأ ؛ لأن المكان بعيد ، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها .
ثم يقول سبحانه : { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ . . } [ السجدة : 3 ] ومعلوم أنه سيدنا رسول الله جاء بشيراً ونذيراً ، لكن خصَّ هنا النذير ؛ لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة ، وإصلاح الفاسدلا بُدَّ أن يسبق ما يُبشر به ، ولم يأْتِ ذكر البشارة هنا ؛ لأنهم
تفسير الشعراوي — صفحة 11786
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٨٦