تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11729

مساهمون:

ص١١٧٢٩
أراد الحق سبحانه أن يبين أن الرجل الممكّن في الأرض له مهمة ، هذه المهمة هي شكر الله على التمكين ولا يكون إلا بإقامة ميزان العدالة في الكون { حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس . . . } [ الكهف : 86 ] أي : في رأي العين ، وإلا فهي لا تغرب أبداً ، إنما تغرب عن جماعة في مكان ، وتشرق على جماعة في مكان آخر . { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يا ذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } [ الكهف : 86 ] ولا يُفوِّض إنسان في أنْ يُعذِّب أو يتخذ الحسنى إلا إذا كانت لديه مقاييس وميزان العدالة ، وقد قال الله عنه : { وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } [ الكهف : 84 ] أي : نعمة وميزاناً لتوزيع هذه النعمة ، فلم تقتصر نعمة الله عليه في أنه صاحب سلطان وجبروت ، إنما عنده المقوِّمات الحياتية ، وعنده ميزان العدالة الذي يضبط استطراق النِّعَم في الكون كله . فالذي خُيِّر في أنْ يفعل أو لا يفعل أراد أنْ يبين منهجه في أنه لم يأخذ الاختيار وسيلة لتثبيت الأهواء ؛ لذلك قال بعدها : { قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } [ الكهف : 87 ] هذا هو العقاب { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً } [ الكهف : 88 ] أي : بعد أنْ ينال ثوابه ، نعطيه فوق ذلك حوافز تشجعه ، ونقيم له حفلة تكريم لنغري غيره بأن يسلك مسلكه . إذن : فقضية الثواب والعقاب أمر لازم ، وإذا كان هذا في الأمور الحياتية الجزئية ، فهو أَوْلى في أمور الدين والقيم التي تسيطر على كل موازين الحياة ، لا بُدَّ من وقت للثواب وللعقاب ، وإلا استشرى