فما الفرق بين ( وجدنا ) و ( ألفينا ) وهما بمعنى واحد ؟ قالوا : لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صُحْبة آبائهم والتأثر بهم ، فبعضهم عاش مع آبائه يُقلِّدهم فترة قصيرة ، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى أَلف ما هم عليه وعشقه ؛ لذلك قال القرآن مرة ( أَلْفيْنَا ) ومرة ( وَجَدَنْا ) .
والاختلاف الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين ، فمرة يقول : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [ البقرة : 170 ] ومرة أخرى يقول : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } [ المائدة : 104 ]
فما الفرق بين : يعقلون ويعلمون ؟
الذي يعقل هو الذي يستطيع بعقله أنْ يستنبط الأشياء ، فإذا لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف المسألة ممَّنْ يستنبطها ، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل ؛ لأن العقل يعلم ما عقله ، أما العلم فيعلم ما عقله هو ما عقله غيره ، فقوله ( يَعْلَمُونَ ) تشمل أيضاً ( يَعْقِلوُن ) .
إذن : إذا نُفي العقل لا يُنفي العلم ؛ لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلاً ويستفيد به ويتجول بين قنواته ، وهو لا يعرف شيئاً عن طبيعة عمل هذا الجهاز الذي بين يديه ، إنما تعلَّمه من الذي يعلمه ، فالإنسان يعلم ما يعقله بذاته ، ويعلم ما يعقله غيره ، ويؤديه إليه ؛ لذلك فنَفْي العلم دليل على الجهل المطبق الذي لا أملَ معه في إصلاح الحال .
ونلحظ أيضاً أن القرآن يقول هنا : { قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا . . } [ لقمان : 21 ] ، وفي موضع آخر يقول : { قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ . . . } [ المائدة : 104 ] فقولهم : نتبع ما وجدنا عليه آباءنا
تفسير الشعراوي — صفحة 11703
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٠٣