إذن : ( فانظر ) أي : نظر اعتبار وتأمل ؛ لأننا نريد أن نقيس الغائب عنا والذي نريد أن نخبر به من أمور الآخرة بالمنظور لنا من إحياء الأرض بعد موتها .
ففي الآية دليل جديد من أدلة قدرة الحق ووحدانيته ، وهو دليل كوني نراه جميعاً ، والحق سبحانه يُلوِّن الأدلة ليلفت المخلوق إلى عظمة الخالق ليؤمن به إلهاً واحداً قاهراً قيوماً مقتدراً ، وهذه الأدلة حجة تضيء العقل ، وآيات في الكون تبرهن على الصِّدق ، وأمثال يضربها للناس في الكون وفي أنفسهم ، ووعد لمن آمن ، ووعيد لمن خالف .
وهنا أيضاً دليل كوني مشهود في الكون ، فالذي أحيا الأرض الميتة كما تشاهدون ( لمحي الموتى ) في الآخرة كما يخبركم ، وجاء بصيغة اسم الفاعل الدال على ثبوت صفة الإحياء قبل أنْ يُحيي ، كما نقول : فلان شاعر فلم يكتسب هذه الصفة لأنه قال شعراً ، إنما هو إنما هو شاعر قبل أن يقول ، كذلك الخالق سبحانه ( محي ) قبل أن يوجد منه الفعل ، وقادر قبل أنْ يخلق مقدوراً له ، وخالق قبل أنْ يخلق خَلْقاً ، فبالصفة فيه سبحانه خلق .
ولكي نُقرِّب الشبة بين إحياء الأرض بالنبات وإحياء الموتى يوم القيامة نقول : لو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا هذا الهيكل الضخم الذي يزن إلى مائة كيلو أو يزيد ، أصل تكوينه ميكروب لا يُرَى بالعين المجردة ، حتى قالوا : إن أنسال العالم كله من الحيوان المنوي يمكن أنْ توضع في حجم كستبان الخياطة ، إذا مليء نصفه من المني ، ثم يأخذ هذا الحيوان المنوي من الغذاء من الرزق فينمو ويكبر في الحجم فقط ، لكن تظل الشخصية كما هي .
تفسير الشعراوي — صفحة 11513
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥١٣