تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11512

مساهمون:

ص١١٥١٢
كأن الحق سبحانه أراد أنْ يستدلَّ بالمحَسِّ المنظور في الكون على ما يريد أنْ يخبرنا به من الغيب من أمور البعث والآخرة ؛ لذلك يعلل بقوله : { إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الروم : 50 ] فذكر مع الأرض الفعل المضارع يحيي ، والفعل المضارع يدل على التجدد والاستمرار وهذه عملية مُحسَّة لنا . أما في إحياء الموتى فجاء بالاسم محيي ، والاسم يفيد ثبوت الصفة ؛ ليؤكد إحياء الموتى ، ومعلوم أن الموت لا يشك فيه أحد ؛ لأنه مُشَاهد لنا ، أما البعث فهو محلُّ شكٍّ لدى البعض لأنه غيب . ومع ذلك يقول تعالى عن الموت : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ } [ المؤمنون : 15 ] ، فيؤكد هذه القضية مرة بإنْ ، ومرة باللام ، والموت شيء واقع لا ننكره ، فلماذا كل هذا التأكيد ؟ قالوا : نعم هو واقع لا نشك فيه ، لكنه واقع مغفول عنه ، فكأن الغفلة عنه كالإنكار ، ولو كنتم متأكدين منه ما غفلتم عنه . فلما ذكر البعث قال : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 16 ] فأكدها بمؤكد واحد ، مع أنه محلُّ شكٍّ ، فكأنه لما قامت الأدلة عليه كان ينبغي ألاَّ يشك فيه ؛ لذلك لم يؤكده كما أكَّد الموت ، ولما غفلنا عن الأدلة كان واجباً أنْ يُؤكِّد الموت ، فأكَّد الموت ، ولم يؤكد البعث . ومعنى { فانظر . . . } [ الروم : 50 ] الأمر بالنظر هنا ليس ( فنطزية ) ولا ( للفرجة ) أو التسلية ، لأننا نقول : هذا الأمر فيه نظر يعني : محلاً للبحث والتقصي لنصل إلى وجه الحق فيه ، بترجيح بعض الأدلة على بعض .
تفسير الشعراوي — صفحة 11512 | محمد متولي الشعراوي