تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10971

مساهمون:

ص١٠٩٧١
وهذه الآية : { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً . . . } [ آل عمران : 97 ] جملة خبرية غرضها الأمر والحثّ ، كأنه تعالى قال : أمِّنوا من دخل الحرم . وهذه ليست قضية كونية ، إنما قضية شرعية ، وفرْق بين القضيتين : الكونية لا بُدَّ أن تحدث ، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض ، ويخرج عليه البعض ، فمَنْ أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أنْ يجعل أمر الله صادقاً يُؤمِّن أهل الحرم ، ومَنْ أراد أنْ يكذِّب ربه يهيج الناس ويروعهم فيه . ومن الآيات التي كثيراً ما يُسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى : { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون لِلْخَبِيثَاتِ والطيبات لِلطَّيِّبِينَ والطيبون لِلْطَّيِّبَاتِ . . . } [ النور : 26 ] يقولون : كثيراً ما يتزوج خبيث من طيبة ، أو طيبة من خبيث ، فالواقع لا يتفق مع الآية . نقول أيضاً هنا : هذه قضية شرعية تحمل أمراً قد يُطاع وقد يُعْصَى ، وليست قضية كونية لا بُدَّ أنْ تأتي كما أخبر الله تعالى بها ، ولا يتخلّف مدلولها . فالمعنى في الآية : إن زوجتُم فزوِّجوا الخبيث للخبيثة ، والطيب للطيبة ؛ ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما الوفاق ، حتى إنْ عيَّر الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أنْ تردّ عليه ، لا بُدَّ من وجود التكافؤ حتى في ( القباحة ) ، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث ، أو الخبيث مع الطيبة ؟ إذن : فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر ، وإنْ كانت تعني الأمر ، كما تقول عن الميت : رَحِمَهُ اللَّهُ بصيغة الماضي ، وأنت لا تدري رَحِمَهُ اللَّهُ ، أو لم يرحمه ، إذن : لا بُدَّ أن المعنى دعاء : فلي رَحِمَهُ اللَّهُ ، قلتها أنت بصيغة الماضي ، رجاء أن تكون له الرحمة . نعود إلى قوله تعالى : { أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً . . . } [ القصص : 57 ]