تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11493

مساهمون:

ص١١٤٩٣
كما أن العمل الصالح يأتي من ذات الإنسان ، ويستقبله هو من غيره ، وكلمة ( مَنْ ) هنا تصلح للمفرد وللمثنى وللجمع بنوعية ، وتحل محلَّ جميع الأسماء الموصولة تقول : من جاءك فأكرمه ، ومَنْ جاءتك فأكرمها ، ومَنْ جاءاك فأكرمهما ، ومَنْ جاءوك فأكرمهم . . الخ . كذلك في هذه الآية استعمل مَنْ للدلالة على المفرد ، وعلى الجمع . وتأمَّل قوله تعالى : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ . . . } [ النور : 61 ] وهل يُسلِّم الإنسان على نفسه ؟ قالوا : نعم لأن المؤمنين شيء واحد ، إذا سلَّمْتَ على أحدهم فكأنك سلَّمت على الجميع ، وأيضاً إذا قُلْت لصاحبك السلام عليكم يردُّ عليك : وعليكم السلام ، فكأنك سلَّمْتَ على نفسك . ومعنى { يَمْهَدُونَ } [ الروم : 44 ] مأخوذة من المهْد ، وهو فراش الطفل ، والطفل لا يُمَهده ولا يُسوّيه ويُهيِّئه ، ولا بُدَّ له من صدر حنون يُسوِّي له مهده ، ويفرشه ويُعده ، فكأن الذي يعمل الصالح في الدنيا يُمهِّد لنفسه فراشاً في الآخرة ، كما يحكي أبو منصور بن حازم عن أبي عبد الله بن الحسين يقول : العمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة ليمهد له فراشه ، كما يمهد الخادم لأحدكم فراشه . لذلك سبق أن قلنا : إن الذين يؤثرون على أنفسهم يؤثرون من الفانية ليُدِّخر لهم في الباقية ، و « سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حينما أُهديت له الشاة ، وعاد ليسأل أم المؤمنين عائشة عنها فقال لها : » ماذا صنعت بالشاة ؟ « فقالت : ذهبتْ كلُّها إلا كتفها ، يعني : تصدَّقَتْ بها إلا كتفها ، فقال سيدنا رسول الله : » بل ، بقيت كلها إلا كتفها « .