تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11492

مساهمون:

ص١١٤٩٢
لعطفته إلى الإسلام ، وجعلته يُؤنِّب نفسه ألاَّ يكون مسلماً . لذلك سبق أنْ قُلْنا : إن سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - جاءه رجل فاشتمَّ منه أنه غير مسلم ، فلما سأله قال : أنا مجوسي فردَّ الباب في وجهه ، فانصرف الرجل ، وإذا بإبراهيم - عليه السلام - يتلقى الوحي من الله : يا إبراهيم لم تقبل أنْ تُضيِّفه لأنه على غير دينك ، وأنا قبلته طوال عمره في مُلْكي وهو كافر بي . فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به واسترضاه ، فقال الرجل : وماذا جرى لقد طردتني ونهرتني منذ قليل ؟ فقال : إن ربي عاتبني في أمرك ، فقال الرجل : إنَّ رباً يعاتب أنبياءه بشأن إعدائه لحقيق أن يُعبد . لا إله إلا الله ، إبراهيم رسول الله . إذن : نفهم من هذا أن العمل الصالح هو مطلوب الإيمان ، وإذا آمنتَ بإله لتأخذ الحكم منه وأنت مطمئن أنه إله حق ، فلا يهم بعد ذلك أنْ تؤمن أو لا تؤمن المهم قاعدة الصلاح في الكون وفي حركة الحياة ؛ لذلك لم يقل ومَنْ آمن فله إيمانه ، كأن المراد بالإيمان العمل { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [ الروم : 44 ] لأنه لا يعمل صالحاً إلا إذا كان مؤمناً . ونلحظ هنا أن الآية تتحدث عن صيغة المفرد : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً . . . } [ الروم : 44 ] ثم يتحول إلى صيغة الجمع { فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [ الروم : 44 ] ولم يقُلْ : فهو يمهد لنفسه ، فلماذا ؟ قالوا : لأن الذي يعمل الصالح لا يعمله لذاته ، إنما له ولذريته من بعده ، كما جاء في قوله سبحانه : { والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . . . } [ الطور : 21 ] إذن : ساعةَ تكلم عن الإيمان جاء بالمفرد ، وساعةَ تكلم عن الجزاء جاء بصيغة الجمع .