لا تناقش الطبيب وهو خطأ ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علَّة لكل شيء ؟
ولا يناقش في عِلَل الأشياء إلا المساوي ، فلا يناقش الطبيبَ إلى طبيبٌ مثله ، كذلك يجب أنْ نُسلِّم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أنْ يوجد مُسَاوٍ له سبحانه يمكن أنْ يناقشه .
والحق سبحانه يُبيِّن لنا عِلَّة الإيمان - لا الإيمان في ذاته - إنما ما يترتب عليه من طاعة أوامر هذا الإله ، وعلى طاعة هذه الأوامر الأوامر يترتب صلاح الكون ، بدليل أن الله يطلب من المؤمنين أنْ ينشروا الدعوة ، وأن يُبلِّغوها ، وأن يحاربوا مَنْ يعارضها ويمنعهم من نشرها .
فما شُهر السيف في الإسلام إلا لحماية بلاغ الدعوة ، فإنْ تركوك وشأنك فدَعْهم ، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام ظل بها أصحاب ديانات أخرى على دياناتهم ، وهذا دليل على أن الإسلام لم يُرغِم أحداً على اعتناقه .
لكن ما دام الإسلام قد فتح البلاد فلا بُدَّ أنْ تكون له الغَلَبة ، وأنْ يسير الجميع معه في ظِلِّ منهج الله ، فيكون للكافرِ ولغير ذي الدين ما لصاحب الدين .
فكأن الحق سبحانه يريد لقوانينه أنْ تحكم آمنت به أو لم تؤمن ؛ لأن صلاح الكون لا يكون إلا بهذه القوانين .
إذن : فأنت حُرٌّ ، تؤمن أو لا تؤمن ، لكن مطلوب ممَّنْ آمن أنْ يحمي الدعوة في البلاغ ، ثم يترك الناس أحراراً ، مَنْ آمن فبها ونعمت ، ومَنْ أبى نقول له : لك ما لنا ، وعليك ما علينا .
تفسير الشعراوي — صفحة 11489
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٨٩