تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11486

مساهمون:

ص١١٤٨٦
بعد أن بيَّن الدلائل الواضحة على واحديته في الكون ، وأحديته في ذاته سبحانه ، وبيَّن الأدلة الكونية بكُلِّ صورها برهاناً وحجةً ، وضرب أمثالاً وتفصيلاً بعد ذلك قال : سأقول لكم أنكم أصبحتم مختارين أي : خلقتُ فيكم الاختيار في التكليف حتى لا أقهر أحداً على الإيمان بي . وخَلْق الاختيار في التكليف بعد القهر في غير التكليف يدلُّ على أن الله تعالى لا يريد من عباده قوالب تأتمر بأمر القهر ، ولكنه يريد أنْ يجذب الناس بمحبوبيتهم للواحد الأحد . وإلا فكان من الممكن أن يخلقهم جميعاً مهتدين ، وأنْ يخلقهم على هيئة لا تتمكّن من الكفر ، وتسير إلى الطاعة مرغمة ، كما قال سبحانه حكاية عن السماء والأرض : { أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وذلك يُفسِّر لنا أمانة خَلْق الاختيار في الناس . والحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن هذه المسألة بوضوح قال : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا . . . } [ الأحزاب : 72 ] والإباء هنا ليس إباء تكبُّر على مراد الله ، إنما وضعوا أنفسهم في الموضع الطبيعي ، فقالوا : لا لحمل الأمانة ؛ لأننا لا نأمن أنفسنا ولا نضمنها عند الأداء . والإنسان كذلك ابن أغيار ، فقد يحمل الأمانة ، ويضمن أداءها في وقت التحمل ، لكنه لا يضمن نفسه عند الأداء ، وسبق أن مثَّلْنا لذلك بمَنْ يقبل الأمانة ، ويرحب بها عند التحمل ، ثم تطرأ عليه من أحداث الحياة ما يضطره لأنْ يمدَّ يده إلى هذه الأمانة وإنْ كان في نيته الأداء ، لكن يأتي وقته فلا يستطيع ، وآخر يُقدِّر هذه المسؤولية ويرفض تحمل الأمانة ، وهذا هو العاقل الذي يُقدِّر الظروف وتغيّر الأحوال .