تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11488

مساهمون:

ص١١٤٨٨
ولما كنا مختارين أعطانا الله تعالى هذه القضية : { مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ . . . } [ الروم : 44 ] وكلمة ( عَلَيْه ) تفيد الدَّيْن والوِزْر ، و ( له ) تفيد النفع ، فإذا جئنا بالمقابل بقول : ومَنْ آمن فله إيمانه ، كما في : { إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ } [ الانفطار : 13 - 14 ] . لكن القرآن لم يَأْت بهذا المقابل ، إنما عَدَل إلى مسألة أخرى : { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [ الروم : 44 ] فلماذا ؟ قالوا : لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر واحد هو الله فتؤمن به ، فإذا ما أمرك تطيع ، فعِلَّة الإيمان التكليف ؛ لذلك حين تبحث أيَّ تكليف إياك أنْ تنظر إلى عِلَّته فتقول : كلفني بكذا لكذا ، فعِلَّة التكليف وحكمته عنده تعالى . فإذا قلنا مثلاً : حكمة الصيام أنْ يشعر الغنيُّ ويذوق ألم الجزع فيعطف على الفقير ، فهل يعني هذا أن الفقير المعدَم لا يصوم ؟ إذن : ليست هذه حكمة الصيام ، والأصوب أنْ تقول : أصوم ؛ لأن الله أراد مني أن أصوم ، وحكمة الصيام عنده هو . ومثَّلنا لذلك ولله تعالى المثل الأعلى : أنت حين تشكو مرضاً أو ألماً تسأل عن الطبيب الماهر والمتخصص حتى تنتهي إليه ، وعندها تنتهي مهمة عقلك ، فتضع نفسك بين يديه يفحصك ويُشخِّص مرضك ، ويكتب لك الدواء ، فلا تعارضه في شيء ، ولا تسأله لماذا كتب هذا الدواء . فإذا سألك زائر مثلاً : لماذا تأخذ هذا الدواء ؟ لا تقول : لأن من خصائصه كذا ، ومن تفاعلاته كذا ، إنما تقول : لأن الطبيب وصفه لي ، مع أن الطبيب بشر قد يخطئ ، وقد يكتب لك دواءً ، أو يعطيك حقنة ترديك ، ومع ذلك تُسلِّم له بما يراه مناسباً لك ، فإذا كنت