فأيُّ حضارة هذه ؟ وأين هي الآن ؟ طمرتها رمال الأحقاف ، ودفنتها تحت أطباق الثرى ، ولا تعجب من ذلك ، ففي هذه المنطقة إنْ هبَّتْ عاصفة واحدة ، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض ، فما بالك بالعواصف منذ قرون طوال ؛ لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها حَفْراً .
إذن : فالحضارات مع عظمها لم تستطع أنْ تحمي نفسها من الزوال ، وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها .
وقوله تعالى : { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } [ الروم : 42 ] أي : أن القليل منهم لم يكُنْ مشركاً ، قالوا : هذه القِلّة هم الصبيان والمجانين ، ومن ليس له إرادة حرة ، وإن أخذت هذه القلة مع الكثرة المشركة ، فإن الله إنما أراد بهم خيراً ؛ لأن مثواهم إلى الجنة بغير حساب .
لذلك لما تكلمنا عن موسى والعبد الصالح في سورة الكهف : لما قتل الخضر الغلام تعجَّب موسى ، ففي المرة الأولى خرق السفينة واعتدى على ملْك ، أما في هذه المرة فقد أزهق روحاً ؛ لذلك قال في الأولى { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً } [ الكهف : 71 ] أي : عجيباً ، أما في الثانية فقال : { لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } [ الكهف : 74 ] .
ثم بيَّن الخضر الحكمة من قتل الغلام فقال : إن له أبوين صالحين ، وفي علم الله تعالى أنه سيفسد عليهما دينهما ؛ لأن الفتنة تأتي الإنسان غالباً من الزوجة أو من الولد ، كما قال سبحانه : { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم . . . } [ التغابن : 14 ] لماذا ؟ لأنهما يحملانك على ما لا تطيق ، ويضطرانك ربما للسرقة أو للرشوة لتوفر لهما ما يلزمهما ، ولأن الفساد يأتي من ناحيتهما قال سبحانه :
تفسير الشعراوي — صفحة 11482
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٨٢