أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ الأعلى ، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم .
. الخ فسيرى فيه نظاماً ثابتاً لا يتغير ، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات يفسد الكون كله ؛ لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ .
إذن : في النظام العام للكون نجد الثبات ، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن الآخر نجد الشذوذ والاختلاف ، فالثبات يثبت حكمة القدرة ، والشذوذ يثبت طلاقة القدرة .
فيا مَنْ تريد ثبات النظام دليلاً على الإيمان ، فالثبات موجود ، ويا مَنْ تريد شذوذ النظام دليلاً على الإيمان ، فالشذوذ موجود ، فما عليككما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب .
ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام ، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزَّاق ، فمرة يرزق بالأسباب ، ومرة يرزق بلا أسباب ، لكن إياك أنْ تغتر بالأسباب ، فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق ، ويخيب سَعْيك كالفلاح الذي يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه ، فاحذر أن تغتر بالأسباب ، وانظر إلى المسبِّب سبحانه .
وقلنا : ينبغي أنْ تتحرى إلى الرزق أسبابه ولا تشغلنّ بعدها بالك بأمره ، فقد تكفل به خالقك الذي استدعاك للوجود ، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله :
تَحَرَّ إلى الرزْقِ أَسْبابَهُ . . . ولاَ تشغلنْ بعدَهَا بَالَكا
فَإنَّك تجهلُ عنوانه . . . ورِزْقُكَ يعرِفُ عُنْوانَكا
تفسير الشعراوي — صفحة 11448
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٤٨