ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة ، ومع ذلك لم يستطع تربية أولاده ؛ لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف ، ففشلوا في حياتهم العملية ، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق أولاده ، ويأخذون أعلى المراتب ؟ إذن : { يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ . . . . } [ الروم : 37 ] وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى .
وسبق أن ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد ، إحداهما لواحد اسمه ( جيبل ) ، والأخرى ل ( بختر ) أحدهما : ينكر أن يكون للعالم إله ، يقول : لو كان للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور . . الخ فالحكمة في الخَلْق تقتضي المساواة ، فأخذ من الشذوذ في الخَلْق دليلاً على إلحاده .
أما الآخر فقال : ليس للكون إله ، إنما يسير سَيْراً ميكانيكياً رتيباً ، ولو كان فيه إله لكان يخلق الخَلْق على صور مختلفة ، وتكون له إرادة مطلقة عن الميكانيكا ، فأخذ ثبات النظام دليلاً على إلحاده ليناقض مذهب سابقه .
إذن : المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأيِّ شكل ، وعلى أية صورة ، واستخدام منهج مُعْوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها .
ونقول في الرد على الأول الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلاً على عدم وجود إله حكيم : الشذوذ الذي ذكرتَ شذوذ في الأفراد الذين يُعوض بعضهم عن بعض ، فواحد أعمى ، وآخر أعور يقابلهم ملايين المبصرين ، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة العامة في الخَلْق ، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير الصحيح .
تفسير الشعراوي — صفحة 11447
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٤٧