يبسط : يُوسِّع ، ويقدِر : يعني يُضيِّق .
يعني : ألم يروا هذه المسألة ، فواحد يُوسِّع الله عليه الرزق ، وآخر يُضيِّق عليه ، وربما صاحب السعة لم يتعب فيها ، إنما جاءته من ميراث أو خلافة ، وصاحب الضيق يكدّ ويتعب ، ومع ذلك فعيشته كفاف ، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من إيمان أو إلحاد ، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول :
كَمْ عَالمٍ أعْيَتْ مَذَاهِبه . . . وجَاهلٍ جَاهلٍ تَلْقَاهُ مرْزُوقا
هَذَا الذِي تركَ الأوهامَ حَائرةً . . . وَصيَّر العَالِم النَّحْرير زِنْدِيقا
فردَّ عليه آخر ممن امتلأت قلوبهم بالإيمان :
كَمْ عَالمٍ قَدْ باتَ في عُسْرٍ . . . وجَاهلٍ جاهلٍ قَدْ باتَ في يُسْر
تحيَّر الناسُ في هَذا فقُلْتُ لهم . . . هَذا الذي أوجبَ الإيمان بالقدرِ
فالعالم لا يسير بحركة ميكانيكية ثابتة ، إنما بقيومية الخالق سبحانه عليه ، فانظر إلى البسط لمن بسط الله له ، والقبض لمن قبض الله عنه ، ولا تعزل الفعل عن فاعله سبحانه ، وتأمل أن الله تعالى واحد ، وأن عباده عنده سواء ، ومع ذلك يُوسِّع على أحدهم ويُضيِّق على الآخر .
إذن : لا بُدَّ أن في هذه حكمة ، وفي تلك حكمة أخرى ، ولو تتبعتَ عواقب السعة هنا والتضييق هناك لتراءتْ لك الحكمة .
تفسير الشعراوي — صفحة 11446
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٤٤٦